وإذن؛ فالفلسفة تؤيد التصوف في أن التصفية والتجرد والتطهر، يكسب الروح إشراقا تصل به إلى المعارف كافة.
وإذن؛ فهناك قربى وثيقة بين التصوف والفلسفة، إذا جردت الفلسفة من ضلالها فيما وراء الطبيعة؛ لأنها اعتمدت على العقل دون الشرع في فهم الإلهيات، وليس هذا للعقل، وما ينبغي له أن يلج في معارج أعلى من طاقته، ومن فوق إمكانياته وطبيعته.
يقول محيي الدين: «اعلم أن الفلاسفة ما ذمت لمجرد ذلك الاسم، وإنما هو لما أخطئوا فيه من العلم المتعلق بالإلهيات؛ فإن معنى الفيلسوف: المحب للحكمة، والحكمة غاية كل عاقل.»
ثم يقول: «إياك أن تبادر إلى إنكار مسئلة قالها فيلسوف وتقول: هذا مذهب الفلاسفة؛ فإن هذا قول من لا تحصيل له؛ إذ ليس كل ما قاله الفيلسوف يكون باطلا، فعسى أن تكون تلك المسألة مما عنده من الحق، وقد وضع الحكماء من الفلاسفة كتبا كثيرة مشحونة بالحكم والتبرؤ من الشهوات، ومكايد النفوس وما انطوت عليه من خفايا الضمائر؛ فكل ذلك علم صحيح موافق للشرائع، فلا تبادر يا أخي إلى الرد في مثل ذلك، وتمهل وأثبت قول ذلك الفيلسوف، حتى تحد النظر، فقد يكون ذلك حقا موافقا للشريعة.»
وتلك آية من آيات السماحة الفكرية التي يمتاز بها محيي الدين، بل يمتاز بها كل رجال الحقائق، وذلك هو موقف المتصوف المنصف من الفلسفة، لا ينكر منها إلا ما أنكر الشرع، ويقبل منها ما يقبله الشرع؛ فميزان المتصوفة القسط الذي يزنون به كل ما يرد إليهم: هو الشريعة، وهو ميزان لا يضل صاحبه أبدا.
وعند محيي الدين: أن الفلسفة كانت شريعة إدريس - عليه السلام، وإنها من المعارف السماوية، وإنه أعمل فكره كثيرا ليصل إلى سر ما أصابها من ضلال في المعاني الإلهية، فيقول: «لقد دخلت الخلوة وعملت على الاطلاع على الحقيقة الإدريسية، فرأيت الخطأ إنما دخل على الفلاسفة من التأويل؛ وذلك لأنهم أخذوا العلم عن إدريس - عليه السلام، فلما رفع إلى السماء، اختلفوا في شريعته، كما اختلف علماء شريعتنا، فأحل هذا ما حرم ذلك وبالعكس، ثم جرت بهم الأيام فارتكبوا هذه الأخطاء في فهم الإلهيات.»
وهي نظرة إلى الفلسفة ما أحسبها لغير محيي الدين، وهي تحل إشكالا من مشاكل الفكر، كيف نشأت الفلسفة كيف تكونت علومها ؟ لقد كانت شريعة سماوية لإدريس - عليه السلام، ثم اختلف أتباعه بعد رفعه في ميراثهم، وتجادلوا وأولوا وحرفوا الكلم عن مواضعه؛ فسلمت علوم النظر، وتطرق الخطأ والضلال إلى ما وراء الطبيعة.
ولهذا يرى محيي الدين: أن ما سلم من علوم الفلسفة هو ميراث لكل صوفي؛ لأنه من المعارف الصحيحة، والمعارف الصحيحة ينالها المتصوفة بمنهجهم التعبدي القائم على الطاعة والتجرد، وبالفيوضات الربانية القائمة على المحبة والرضا.
والفلسفة الحقة: غايتها الحكمة، والحكمة ضالة كل مؤمن، وهدف كل صوفي، فالمتصوف الإسلامي هو صاحب العلم المحيط الشامل لجميع الحقائق، هو الفيلسوف العالمي الذي جمع المعارف كافة، وتميز بإيمان يمشي في مواكب الأنبياء، وهدى الرسل، ورضاء الله ومحبته.
| مملكة التصوف
مملكة التصوف، أو عالم الأنفاس، مملكة أشبه بالأحلام الجميلة، أو الأماني الحلوة، التي يتصورها الأصفياء من رجال الفكر عن العالم السعيد، أو المدينة الفاضلة، التي يعيش الخيال على ضفافها، مرحا طروبا في آفاق من النور والإشراق، لا مس فيها من ألم، ولا لغوب فيها من شقاء؛ وإنما عبادة وذكر وصفاء، وطهارة ومحبة وإخاء.
وتلك المملكة الروحية قد ينكرها الماديون، الذين استعبدوا للحياة؛ فأذلتهم واتخذتهم مطايا لشهواتها، وعبيدا لأباطيلها.
وقد يخاصمها الجهلاء الذين خدعتهم أنفسهم، فظنوا بالصوفية ظن السوء، حتى حسبوها هذه العمائم المكورة، واللحى المرسلة، والمسابح ذات البهجة والحركة.