فإذا تفكرت فيما مر بك، تذكرت أمرا عجبا، أنك مع رجل يعرض عليك ألوانا من الفكر، وألوانا من العلم، وألوانا من المعارف لا تمت بصلة إلى علوم سابقة، ولا تمت بنسبة إلى أقلام مبدعة كاتبة، إنها لمن نبع محيي الدين وحده؛ فمحيي الدين لا يذهب في معارفه وعلومه مذاهب غيره، بل هو قمة شامخة، قائمة وحدها، أو كما يقول الإمام النووي: «تلك أمة قد خلت، لم تماثلها أمة من قبل، وما أحسب أن أمة تخلفها.»
يقول محيي الدين: «ما عندنا بحمد الله تقليد لأحد؛ إنما هو فهم في القرآن أعطيته، ومدد من رسولي اختصصت به، وفيض من ربي أكرمني بأنواره.»
ومع هذا فقد استمسك محيي الدين بميزان الشريعة؛ لأنه كما يقول: «من رمى بميزان الشريعة من يده لحظة هلك.» ويهتف مع مسمع الدنيا: «لقد كتبت ما كتبت، وأنا أقر - بحمد الله تعالى - أني لم أذكر أمرا غير مشروع ، وما خرجت عن الكتاب والسنة في شيء، بل منهما استمددت، وبهما أنير طريقي.»
| أقسام العلوم ومراتبها
يقول محيي الدين: «لقد أجمع رجال التصوف جميعا على أنه لا تحليل ولا تحريم بعد شريعة رسول الله وخاتم النبيين - صلوات الله عليه؛ وإنما هو فهم يعطى في القرآن لرجال الله، كما ثبت من حديث علي، وفيض من العلم يهبه لمن أطاعه فأحبه فألهمه وجعل له نورا.
وكما حفظ علماء الظاهر حدود الشريعة، كذلك يحفظ علماء الباطن آدابها وروحها، وكما أبيح لعلماء الظاهر الاجتهاد في استنباط الأدلة، واستخراج الحدود والفروع، والحكم بالتحليل والتحريم على ما لم يرد فيه نص، وترك أمره للاجتهاد والاستنباط؛ فكذلك للعارفين أن يستنبطوا آدابا وأذواقا ونهجا للمريدين والعابدين.»
وإذن؛ فللتصوف علومه واجتهاداته التي يتفرد بها، ولتلك العلوم أثرها ومكانتها ومقامها في التشريع والآداب الإسلامية.
ثم يعطف محيي الدين لتوضيح رسالته على العلوم وأقسامها، وأثر العقل فيها، ومكانة الأحوال والأسرار منها، فيقسم العلوم إلى ثلاثة أقسام: علم العقل، وعلم الحال، وعلم الأسرار؛ وهذه هي جماع المعارف كافة، وما سواها من فروع، فمنضو تحت أعلامها.
علم العقل
فعلم العقل، هو كل علم يحصل نتيجة نظر في دليل، بشرط الحصول على وجه ذلك الدليل وشبهه؛ ولهذا يقولون في النظر: منه صحيح ومنه فاسد، ومنه علم الفلسفة وسواه من العلوم النظرية.
وعلامة هذا العلم أو من خصائصه أنك كلما بسطت عبارته حسن واتضح معناه، وعذب عند السامع، وقبله منطقه.
علم الأحوال
والعلم الثاني: هو علم الأحوال، ولا سبيل إليه إلا بالذوق أو المشاهدة، ولا يقدر عاقل على أن يحده، أو يقيم على معرفته دليلا ألبتة، وهو علم يتلون مع صاحبه بلون ذوقه، أو بلون مشاهداته، كالعلم بحلاوة العسل ومرارة الصبر، ولذة الجماع والعشق والوجد والشوق، عند الناس كافة، أو كحالات المتصوفة في أحوالهم ومقاماتهم وما يتذوقونه من لذائذ روحية.
فهو علم من المحال أن يعرف أحد حقيقته إلا أن يتصف بحالاته ويتذوقها، أو شبهها من جنسها في عوالم الذوق والروح.
وشرط هذا العلم سلامة الإدراك والبراءة من الآفات، فإن من يغلب على طعم فمه المرارة يجد العسل مرا، وهو ليس كذلك.
وهذا العلم يترك لأصحابه، فلا يتحدث به إلا من ذاقه، ولا يجوز إنكار الذوق على من ذاق، بل لا يلتذ بسماع حالاته على تعدد ألوانها إلا أصحاب الأذواق السليمة.
علم الأسرار
وهو العلم الذي فوق طور العقل وإدراكاته، وهو علم المتصوفة، أو العلم اللدني، وهو الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء، وأساسها الفيض والنفث في الروع؛ ولذلك يتسارع إلى صاحبه الإنكار؛ لأنه من طريق الإلهام، وأكثر علوم الكمل من هذا القبيل، وهو صفة أساسية للنبي ومنحة وخلعة على الولي.
وهو نوعان: نوع منه يدرك بالعقل، وهي العلوم التي يمكن تحصيلها بالعقل والفكر، كالقسم الأول من هذه الأقسام، ولكن العلم به هنا لم يحصل عن نظر ولا عن تفكر، ولكنه ملازم لمرتبة العلم التي يعطاها.