وكانت تضرب بالدف وتفرح، فكنت أقول لها في لك، فتقول لي: والله، إني أفرح؛ حيث اعتنى بي وجعلني من أوليائه واصطفاني لنفسه، من أنا حتى يختارني على أبناء جنسي، وعزة ربي، إنه يغار علي غيرة ما أصعبها! ما التفت إلى شيء باعتمادي عليه عن عالة إلا أصابني ببلاء في ذلك الذي التفت إليه، ثم أرتني عجائب من ذلك، فما زلت أخدمها بنفسي، وبنيت لها بيتا من قصب بيدي على قدر قامتها، فما زالت فيه حتى درجت، وكانت تقول لي: أنا أمك الإلهية، ونور أمك الترابية، وإذا جاءت والدتي إلى زيارتها تقول لها: يا نور، هذا ولدي فبريه ولا تعقيه.»
والثانية تعرف بها في مكة، فحادثته في المحبة الإلهية وحاورته، واتصل بينهما حبل المودة الخالصة؛ فرأى عندها من لطائف المعارف ما لا يصفه واصف، يصورها لنا في شرح ترجمان الأشواق تصويرا رائعا: «كنت أطوف ذات ليلة بالبيت، فطاب وقتي، وهزني حال كنت أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل الناس، وطفت على الرمل، فحضرتني أبيات، فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني، لو كان هناك أحد. فقلت:
ليت شعري هل دروا
أي قلب ملكوا
وفؤادي لو درى
أي شعب سلكوا
أتراهم سلموا
أم تراهم هلكوا
حار أرباب الهوى
في الهوى وارتبكوا
فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي ألين من الخز؛ فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم. لم أر أحسن وجها ولا أعذب منطقا ولا أرق حاشية، ولا أطيب معنى ولا أدق إرادة ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفا وأدبا وجمالا ومعرفة، فقالت: يا سيدي كيف قلت؟ قلت:
ليت شعري هل دروا
أي قلب ملكوا
فقالت: عجبا منك وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا؟ أليس كل مملوك معروف، وهل يصح الملك إلا بعد المعرفة، وتمني الشعور يؤذن بعدمها، والطريق لسان صدق؛ فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا؟ قل يا سيدي، فماذا قلت؟ فقلت:
وفؤادي لو درى
أي شعب سلكوا
فقالت: يا سيدي، الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد، هو المانع له من المعرفة؛ فكيف يتمنى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه إلا بعد المعرفة، والطريق لسان صدق؛ فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا يا سيدي؟ فماذا قلت بعده؟ فقلت:
حار أرباب الهوى
في الهوى وارتبكوا
فصاحت وقالت: يا عجبا! كيف يبقى للمشغوف فضلة يحار بها؛ والهوى شأنه التعميم، يخدر الحواس، ويذهب العقول ويدهش الخواطر، ويذهب بصاحبه في الذاهبين، فأين الحيرة؟ وما ها هنا باق فيحار، والطريق لسان صدق، والتجوز من مثلك غير لائق. فقلت: يا بنت الخالة، ما اسمك؟ فقالت: قرة العين. فقلت: لي. ثم سلمت وانصرفت، ثم عرفتها بعد ذلك وعاشرتها، فرأيت عندها من لطائف المعارف ما لا يصف واصف.»
والثالثة: التقى بها في مكة أيضا، طفلة عذراء هيفاء، لرجل من أهل العلم، وله فيها أشعار وتكنيهات رائقة رائعة.
يذكر لنا في شرح ترجمان الأشواق، كيف اتصل حبله برجل فاضل من أهل العلم والكمال، ثم يقول متحدثا بقلمه الساحر: «كان لهذا الشيخ - رضي الله عنه - بنت عذراء، طفلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام، وتلقب بعين الشمس والبهاء، من العابدات العالمات السابحات الزاهدات، شيخة الحرمين، وزينة البلد الأمين الأعظم بلامين، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت، إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه، وأغري بظهر الغرور فامتطاه، ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيئة الأغراض لأخذت في شرح ما أودع الله في خلقها من الحسن، وفي خلقها الذي هو روضة المزن، شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء، حقة مختومة، واسطة عقد منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها، سابغة الكرم، عالية الهمم، سيدة والديها، شريفة باديها، مسكنها جياد، وبيتها من العين السواد، ومن الصدر الفؤاد، أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه؛ فنمت أعراف المعارف، بما تحمله من الرقائق واللطائف، علمها عملها، عليها مسحة ملك، وهمة ملك؛ فراعينا في صحبتها كريم ذاتها، مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد، فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد، بلسان النسيب الرائق، وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس، ويثير الأنس من كريم ودها وقديم عهدها، ولطافة معناها وطهارة مغناها؛ إذ هي السؤل والمأمول، والعذراء البتول؛ فأعربت عن نفس تواقة، ونبهت على ما عندنا من العلاقة؛ اهتماما بالأمر القديم، وإيثارا لمجلسها الكريم، فكل اسم أذكره في هذا الجزء، فعنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني.»