وهنا آية من آيات محيي الدين، فهو يرد فصاحة اللفظ وجمال التعبير وروعة الفكرة عنده، إلى الصدق في التعبير عن الأحاسيس؛ بحيث لا يزوق كلاما ولا ينمق لفظا، بل لفظه هو تنفسه، وتصوره هو قوله.
مقام القيومية
ولظفره بهذا المقام قصة توضح الهدف والغاية، وهي من مواقف العقول، ومن آيات الفيض والوهب. قال: «لقيت أبا عبد الله بن جنيد من شيوخ الطائفة، وكان معتزلي المذهب، يقول بخلق أفعال العبد، فشرحت له الأمر حتى رجع إلى قولنا، وكان قد أتى إلى زيارتنا، فلما رجع إلى بلده مشيت إلى زيارته في بلده، ورددته عن مذهبه، وكذلك جميع أصحابه فشكرا لله.»
ثم يقول: «إنه كان متحيرا في هذه المسألة المعقدة، لا يدري اليقين فيها، وما فتح له فيها برأي قاطع على الوجه الذي لا شك فيه.
حتى كان ذات ليلة، وهي ليلة السبت السادس من رجب سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فإنه لم يتخلص لي إضافة خلق الأعمال لأحد الجانبين، ويعسر عندي الفصل بين الكسب الذي يقول به قوم، وبين الخلق الذي يقول به قوم؛ فأوقفني الحق بكشف بصري على خلقه المخلوق الأول، الذي لم يتقدمه مخلوق؛ إذ لم يكن إلا الله. وقال لي: هل هنا أمر يوجب التلبيس والحيرة؟ قلت: لا. قال: هكذا جميع ما تراه من المحدثات، ما لأحد فيه أثر ولا شيء من الخلق؛ فأنا أخلق الأشياء عند الأسباب لا بالأسباب، فتكون عن أمري، خلقت النفخ في عيسى، وخلقت التكوين في الطائر.
وسألته - سبحانه - سؤالا، فقال: إذا طالعتك بأمر فالزم الأدب، واسمع وأنصت. قلت: ذلك لك، اخلق السمع حتى أسمع، واخلق الإنصات حتى أنصت، وما يخاطبك الآن سوى ما خلقت. فقال لي: ما أخلق إلا ما علمت وما علمت إلا ما هو المعلوم عليه، فلله الحجة البالغة، وقد أعلمتك بهذا فيما سلف، فالزم مشاهدة فليس سواه، يرجع خاطرك ولا تأمن حتى ينقطع التكليف، ولا ينقطع حتى تجوز على الصراط.»
وهذا هو مقام القيومية، فكل شيء يقوم بالله، ومن الله، وله - سبحانه - خلق العبد وأفعاله، يخلق الأشياء عند الأسباب لا بالأسباب، تعالى الله الواحد الوهاب.
مقام حلاوة الفتح
وحلاوة الفتح مقام حظي به محيي الدين ونعم، وهو لذة ربانية وحلاوة إلهية، يهبها الله لمن يصطفي ويختار من عباده، يقول محيي الدين: «ومن أصحاب هذا الفتح من تلازمه هذه الحلاوة ساعة أو يوما أو أكثر، كل حسب ما يوهب؛ فليس لبقائها زمن، فإنه اختلف علينا بقاؤها فوقنا نزلت علينا في قضية من قضايا الذوق، فدامت ساعة ثم ارتفعت، ونزلت في واقعة أخرى فدامت أياما.
وهذه الحلاوة واللذة لا يمكن أن تشبهها لذة من اللذات المحسوسة؛ لأنها معنوية ربانية، وأثرها في الحس أعظم أثر تنعم به النفس.
وأعظم مذاق لها تنعمت فيه في هذا المقام لما تلي علي:
ن والقلم وما يسطرون ؛ فلم أجد لذة من اللذائذ التي نعمت بها أعظم منها، فلما تلي:
وإنك لعلى خلق عظيم
ذهبت إلى حال من النعيم أعجز عن وصفه؛ فهي أعظم بشارة وردت علي، فالمؤمن فرح بما يوهب لرسوله، والمؤمن الكامل له أمل في قطرات من تلك الهبات.
فإذا عطف الحق على عبده بهذه الحلاوة فجذبه إليه بها، منحه علما لم يكن عنده، فإذا لم يكن علما فليس بجذب، ولا تلك حلاوة فتح.»
والحلاوة التي يقصدها محيي الدين، هي اللذة التي يعبر عنها إبراهيم بن أدهم بقوله: «نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف.» وإبراهيم ذاق اللذتين: لذة الملك، وحلاوة الفيض. وهي لذة يقول عنها بعض الربانيين: إنها خلاصة نعيم الجنة المصفى يقطر في قلب المؤمن المختار.
وتلك اللذة الربانية في الدنيا يصحبها الكشف والعلم، فإذا لم يصاحبها علم ولا كشف؛ فهي ليست بحلاوة الفتح؛ وإنما هي لذة خداعة من لذائذ الحس.
مقام الفناء
وهو مقام المقامات، وهبة الهبات، ودرجة المحبين الوالهين الذاهلين عن وجودهم بذهاب حسهم إلى باريهم، وحال الفناء: هو أن تفنى بالله عن خلقه؛ فلا ترى شيئا مع الله، بل الوجود هو رب الوجود، وواهب الوجود وخالقه، أو كما يقول أبو بكر - رضوان الله عليه: «ما رأيت شيئا إلا رأيت الله سبحانه قبله.»