تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

والله ما طلعت شمس ولا غربت

إلا وحبك مقرون بأنفاسي

ولا خلوت إلى قوم أحدثهم

إلا وأنت حديثي بين جلاسي

ولا ذكرتك محزونا ولا فرحا

إلا وأنت بقلبي بين وسواسي

ولا هممت بشرب الماء من عطش

إلا رأيت خيالا منك في الكاس

ولو قدرت على الإتيان جئتكم

سعيا على الوجه أو مشيا على الراس

ما لي وللناس كم يلحقوني سفها

ديني لنفسي ودين الناس للناس

ما للحلاج والناس؟ لقد سما فوق التراب والطين، وتطلع إلى مشارق الروح، ورب الأرباب.

ولنستمع إليه في تلك الضراعة المؤمنة المحبة الملهمة وهو يناجي حبيبه الأكبر وموجوده الأعظم: «... عن ابن الحداد المصري قال:

5

خرجت في ليلة مقمرة إلى قبر أحمد بن حنبل رحمه الله، فرأيت هناك من بعيد رجلا قائما مستقبلا القبلة فدنوت منه من غير أن يعلم، فإذا هو الحسين بن منصور وهو يبكي ويقول: يا من أسكرني بحبه، وحيرني في ميادين قربه، أنت المنفرد بالقدم، والمتوحد بالقيام على مقعد الصدق، قيامك بالعدل لا بالاعتدال، وبعدك بالعزل لا بالاعتزال، وحضورك بالعلم لا بالانتقال، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتجال، فلا شيء فوقك فيظلك، ولا شيء تحتك فيقلك، ولا أمامك شيء فيحدك، ولا وراءك شيء فيدركك ... أسألك بحرمة هذه الترب المقبولة، والمراتب المسئولة، ألا تردني إلي بعد ما اختطفتني مني، ولا تريني نفسي بعد ما احتجبتها عني، وأكثر أعدائي في بلادك، والقائمين لقتلي من عبادك.

فلما أحس بي التفت وضحك في وجهي ورجع وقال لي: يا أبا الحسن، هذا الذي أنا فيه أول مقام المريدين، ثم زعق ثلاث زعقات وسقط وسال الدم من حلقه، وأشار إلي بكفه فذهبت وتركته، فلما أصبحت رأيته في جامع المنصور فأخذ بيدي ومال بي إلى زاوية وقال: بالله عليك، لا تعلم أحدا بما رأيت البارحة.»

صلة الحلاج بالله

هذا الحلاج المحب الفاني، العابد المثالي، السابح في وجده، المحترق في تجربته، المشوق في قربه، الذي ملأ الدنيا بضجيج ضراعاته ومواجيده، قد امتلأت صحف التاريخ بالتهاويل والأباطيل، حول حبه وعقيدته، وحول إيمانه وصلته بربه!

وصفوه بأنه حلولي ينادي بالحلول، ويتخذ الحب والفناء معراجا لغايته، وتنادوا بأنه اتحادي، يحاول برياضاته ومجاهداته وشطحاته، أن يتحد بموجده في تجربة مهمة غامضة! وأنه اتخذ من الوجد والنشوة عند السماع والاستغراق سبيلا إلى هدفه، حتى أصبح في سكره وسبحاته يقول في دعاوى عريضة ... أنا عوضا عن هو! تأليها لنفسه وللإنسان المجتبى المختار الكامل، الذي يجد في ذاته حقيقة ... صورة الله!

فهل كان الحلاج كما قالوا؟ وهل كان الحلاج كما وصفوا؟ لنمش معه خطوات في مناجاته لربه، وخطوات في حديثه عن صلة الإنسان بخالقه.

قال أحمد بن فاتك: «قال الحلاج:

6

من ظن أن الألوهية تمتزج بالبشرية، أو البشرية تمتزج بالألوهية فقد كفر، فإن الله انفرد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم، فلا يشبههم بوجه من الوجوه، ولا يشبهونه بشيء من الأشياء، وكيف يتصور الشبه بين القديم والمحدث، ومن زعم أن الباري في مكان، أو على مكان، أو متصل بمكان، أو يتصور على الضمير، أو يتخايل في الأوهام، أو يدخل تحت الصفة والنعت فقد أشرك.»

وعن الحسين بن حمدان قال:

7

دخلت على الحلاج يوما فقلت له: أريد أن أطلب الله فأين أطلبه؟ فاحمرت وجنتاه وقال: «الحق تعالى على الأين والمكان، وتفرد عن الوقت والزمان، وتنزه عن القلب والجنان، واحتجب عن الكشف والبيان، وتقدس عن إدراك العيون، وعما تحيط به أوهام الظنون، تفرد عن الخلق بالقدم، كما تفردوا عنه بالحدوث، فمن كانت هذه صفته كيف يطلب السبيل إليه؟!» ثم بكى وقال:

فقلت أخلائي هي الشمس ضوؤها

قريب ولكن في تناولها بعد

قال ابن فاتك:

8 «قصدت الحلاج ليلة فرأيته يصلي فقمت خلفه فلما سلم قال: اللهم أنت المأمول بكل خير، والمسئول عن كل مهم، والمرجو منك قضاء كل حاجة، والمطلوب من فضلك الواسع كل عفو ورحمة.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٢٥