تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو مع هذا الوجد المحرق، وبعد هذا الفناء المذهل، يطيل التأمل والتفكر، في واقع الأمة الإسلامية، فيرى انحرافها عن رسالتها، وابتعادها عن عبادتها، فيطلق صيحة الثورة على الخلافة المنحرفة، وينشر الدعوة، ويعد العدة، لإقامة حكومة الأقطاب الروحانيين، التي يسوس أمرها الأولياء والأبدال، والتي تحيل الكون إلى محاريب للصلاة والتأمل، وذكر الله.

ولقد عانيت من قبل تجربة الدراسات الصوفية، وأعلم ما تحتاجه من جهد، وما يصاحبها من إرهاق، فهي لا تزال بكرا لم تمهد سبلها، ولم تعبد طرقها.

وأشهد أننى لم أجد رهقا ونصبا، في دراسة صوفية، كما وجدت في دراسة الحلاج، فقد تمزق تاريخه، وتبعثرت آثاره!

وأشهد أيضا أنني لم أجد متاعا للقلب، وأنسا للنفس، وزادا للتفكير، كما وجدت في هذه الدراسة.

وللحلاج سحر في كلماته، وسحر في حياته، إنه من الشخصيات التي تملك قوة الإيحاء، وقدرة الاستهواء؛ ولهذا فسواء كنت معه، أو كنت عليه، فلا تملك نفسك، من أن تحبه وتهواه.

ولقد حاولت جاهدا، أن لا تتأثر هذه الدراسة بهذا السحر، وأن تنطلق إلى هدفها، مجردة من كل عاطفة، إلا عاطفة البحث عن الحقيقة، الحقيقة المجردة لذاتها.

وبعد: فهذا هو الكتاب الأول الذي يصدر عن الحلاج في لغة الضاد، نقدم فيه للعالم الإسلامي، صورة حية، من صور الحياة الروحية، في أزهى عصورها، ونصور فيه حياة رجل من أئمة هذه الحياة الروحية، بل لعله نسيج وحده في هذه الحياة الغنية برجالها وأقطابها.

فإن أوفى الكتاب بعهده، فقدم الوجه الصحيح، للرجل الذي تساءل الناس عن نبئه واختلفوا في أمره، فنسجد لله شكرا، على ما هدى وألهم.

وإن عجز الكتاب عن الوفاء بعهده، فحسبه أنه محاولة أخلصت وجهها لله.

طه عبد الباقي سرور

القاهرة، 1380ه / 1961م

| شعاع على التاريخ

... بأية حماسة وحمية وجدانية قامر هذا العاشق الجسور برأسه كيما يظفر بجوهرة الجمال الإلهي!

فريد الدين العطار

منذ أكثر من ألف عام، تركز سمع الدنيا وبصرها، على الخاتمة الفاجعة، لأعجب صراع شهده تاريخ الفكر، وتاريخ الحياة الروحية في الإسلام.

وتساءل الناس عن النبأ العظيم، وهم في غمرة ذاهلة من هول ما يترامى إليهم من همسات وأحداث، لقد غامرت الخلافة العباسية وقامرت بوجودها ومكانتها فألقت من أعلى مآذن بغداد برماد جثة رجل ... عذب، وصلب، وحرق، في مشاهد مسرحية وحشية، لا تمت إلى الإنسانية، أو الآدمية، بسبب أو نسب.

وحملت أجنحة الهواء ذرات الرماد الشهيد إلى الآفاق، ومن ثم بدأ تاريخ عجيب رائع، ونبتت حياة سامقة شامخة، فقد تحولت كل ذرة من ذرات هذا الرماد، إلى مئذنة ومنبر، يتلى عليهما في مسمع الدنيا ووجدانها وضميرها قصة هذا الشهيد، وحياة هذا المصلوب!

ويا لها من قصة! ويا لها من حياة، أراق عليها الخلود فتنته وبريقه، وأكسبها الاستشهاد سحره ونوره، وأضفى عليها الحب الإلهي جلاله وعطره، ومنحها مقام الفناء، بقاء يعجز كل فناء!

ومنذ أكثر من ألف عام، وقصة هذا الشهيد، تعيش متلألئة مشرقة متجددة في قلوب الناس وعواطفهم، وتحيا مقنعة مبهمة ملهمة، في عقول المفكرين وأقلامهم! أشبه ما تكون باللحن الذي اهتزت أنغامه وتشابكت أوتاره، ولكنه مع هذا، نغم فاتن شجي، غني ثري بالإلهام والخيال والأحلام.

وتحولت القضية والمأساة إلى أسطورة مجنحة، ترتاد الآفاق المتناقضة، وتمشي مع الخيال الأسطوري إلى القمم العالية السامقة، المجللة بالضباب والسحاب، فتزداد إبهاما وغموضا، كما تزداد سحرا وبريقا.

يقول المؤرخ الفرنسي مويزو: «إن التاريخ هو ذاكرة البشرية، ولكنها ذاكرة قد تضعف حينا، وقد تصطنع الضعف أحيانا.»

ولقد كانت تلك الذاكرة، أضعف ما تكون، أو فرض عليها أن تكون أضعف ما تكون، وهي تقدم للناس عبر القرون، تاريخ الحلاج، ورسالة الحلاج.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٢