وغضب المتزمتون من رجال التصوف، لاندفاع الحلاج في التيار السياسي، وقابل الحلاج غضبتهم بأعنف منها، فنبذ خرقة التصوف، ريثما يتكلم بحرية مع أبناء الدنيا كما يقول.
وعظم أمر الحلاج في الأهواز، وفتنت به الجماهير، ونسبت إليه العجائب، وتلونت هذه العجائب بخيال العامة، حتى غدت ضربا خارقا لقدرة الإنسان!
وكان الحلاج - كما يقول الإصطخري - باهر الشخصية، ساحر الكلمة، رائع السمت، محببا إلى القلوب. أو كما يقول العلم الحديث: فيه استهواء روحي للجماهير ... ثم وسع الحلاج نطاق دعوته، فارتحل إلى خراسان، وفي صحبته عشرات من الحواريين، واستمر - كما يقول ماسنيون
15 - يدعو ويعظ الجاليات العربية في شرق إيران، ويبث دعوته في المدن، ويقيم على الحدود، ويرابط مع المرابطين في الثغور، وقضى في ذلك خمس سنوات. ثم يعود إلى الأهواز، بعد أن ترك دويا يتردد صداه في آفاق خراسان.
ثم يدعوه تلميذه العظيم، الواسع النفوذ حمد القنائي إلى الإقامة ببغداد، فيرحل إليها مع أهله وطائفة كبيرة من مريديه وأتباعه ... ويدخل الحلاج بغداد بعد أن سبقته شهرته وعجائبه، فيحدث في بغداد هزة، يتردد صداها في البيئات الصوفية والعلمية، ترددها في قصور بغداد العالية وأكواخها الساذجة.
ثم يذهب الحلاج إلى مكة للمرة الثانية مع أربعمائة من تلاميذه، ويعاود الاختلاء والرياضة، حتى يتهمه بعض خصومه بأنه يقوم بأعمال السحر وتحضير الجن، لاعتصامه بقمة جبل أبي قبيس وانقطاعه عن الناس. ومن مكة يخرج الحلاج في رحلته الكبرى في سبيل الدعوة، يخرج إلى التركستان والهند حيث يعتنق الإسلام على يديه خلق عظيم.
واتخذ البحر طريقا، وصعد في السند من ملتان إلى كشمير، ويمضي في طريقه صاعدا ناحية الشمال الشرقي حتى طرقان مع القبائل الأهوازية. لقد كان الحلاج - كما يقول ماسنيون - يفكر في هداية الإنسانية كلها عبر الأمة الإسلامية.
وعظم أمر الحلاج في بلاد ما وراء النهر والهند والصين فكانوا يكاتبونه
16
من الهند بلقب المغيث، ومن بلاد الترك بالمقيت، ومن خراسان بأبي عبد الله الزاهد، ومن حورستان بالشيخ حلاج الأسرار، وسماه أشياعه ببغداد بالمصطلم، وسموه في البصرة المحير، وذهبت الدنيا تردد أحاديثه وقواه السحرية الخارقة، أو كراماته الباهرة.
يقول صاحب «شذرات الذهب»:
17
وبلغ من شأنه أن كان يخرج الأطعمة في غير وقتها، والدراهم من الهواء ويسميها دراهم القدرة، وكان يعرف الكيمياء والطب ... ونشر الحلاج رسائله الكبرى عن السياسة، وواجبات الوزراء، مطالبا بإقامة حكومة إسلامية حقا. وزارة تحكم بالعدل بين الناس، وخلافة - كما يقول - شاعرة بمسئوليات وظيفتها أمام الله، مما يجعل الله يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم.
18
ومن وراء النهر عاد الحلاج إلى مكة، يدفعه وجد صوفي، وحنين غلاب إلى الخلوة، وإلى رياضاته العنيفة القاسية، في أرض النبوة والإلهام، وليتزود في عزلته الروحية بقوة إيمانية، قوة تؤهله لمواجهة الحياة في معركة بطولية حاسمة.
هناك في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، حيث الصراع الفكري والديني مشتعل الأوار في البيئات العلمية، وحيث الترف والشهوات والفساد يخنق المجتمع الإسلامي. هنالك كانت معركة الحلاج الكبرى التي سوف يقدم روحه قربانا لها ... وإلى بغداد يعود الحلاج! ليشعل فيها كل شيء، وليحترق في أتونها.
الحلاج في عاصمة الخلافة
وخفق قلب بغداد للنبأ العظيم! لقد جاء الحلاج إليها تسبقه عواصف مرعدة مذهلة، من الدعاوي العريضة المتناقضة، جاء إليها بعد أن طوف بالأرض، فملأ آفاقها دويا، وأسمع آذانها عجبا.
فقد ترك الحلاج في كل بقعة رن فيها خطره ما يختلف فيه الناس، وما يتخاصمون في أمره، فما رأى الناس من قبل رجلا له سمته وشخصيته وقواه وروحانيته!