تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وابتدع لنفسه طريقا حلاجيا استهدف به الكمال القلبي والخلقي، واتصال روحه بربه اتصال حب وشوق وفناء، اتصالا سيعرف في التاريخ باسم «معراج الحلاج» وهو معراج يتفرد في تاريخ الحياة الروحية، بخصائص وسمات لم تعرف لسواه.

وكان الحلاج في جهاده الروحي، وفي نضاله الشعبي، سريع التقلب والحركة، إن في روحه ثورة، وفي قلبه أهواء متعددة، وفي وجدانه وأحلامه استشراف وتطلع لآفاق يحسها ويدركها ببصيرته واضحة حينا، غامضة أحيانا!

إن روحه لم تظفر بعد بأفقها المستقر المبين، وإن قلبه لم يصل بعد إلى مقام الثبات والتمكين، ومن هنا جاء التلون في السلوك الذي اتسمت به حياة الحلاج في دورها الأول.

يقول ابن كثير:

13 ... وقد كان الحلاج يتلون في ملابسه، فتارة يلبس لباس الصوفية، وتارة يتجرد في ملابس زرية، وتارة يلبس لباس الأجناد، ويعاشر أبناء الأغنياء والملوك والقواد، وقد رآه بعض أصحابه في ثياب رثة، وبيده ركوة وعكاز وهو سائح، فقال له: ما هذه الحالة يا حلاج؟ فأنشأ يقول:

لئن أمسيت في ثوبي عديم

لقد بليا على حر كريم

فلا يغررك أن أبصرت حالا

مغيرة عن الحال القديم

فلي نفس ستتلف أو سترقى

لعمرك بي إلى أمر جسيم

كان الحلاج يتلمس طريقه إلى أمر عظيم جسيم، طريقه بشقيه الصوفي والإصلاحي، وقد اعتزم في إصرار حاسم، أن يبلغه أو يهلك دونه.

الحلاج يستعرض المنهج والرسالة

آمن الحلاج - وهو يشق طريقه إلى الله على أجنحة من رياضاته العنيفة الشاقة، وأشواقه القلبية المتقدة - أن هناك صلات لا تنفصم بين الكمال الروحي الذي ينشده، والإصلاح الإيماني الذي يستهدفه.

إنه ليحس بأن في أعماقه قوى ضخمة، تفور وتتصارع، وتتهيأ للحركة والوثوب ... ويشعر بأن هناك في أبعد عمق من نفسه وقلبه ووجدانه تتفجر ينابيع، وتتدفق تيارات وثورات، يرى بعين خياله وبصيرة أحلامه أنها ستغير وجه الحياة - حياته، وحياة الناس كافة!

لقد آن للعالم الإسلامي أن يبعث من جديد، على نور من كتاب الله وحبه، وشعاع من حياة الرسول وهديه، وما أروع وأجمل أن تتحقق أحلام الحلاج! فتشهد الدنيا أمة قرآنية تقوم بعين الله ورعايته، يحكمها ويوجهها أقطاب عباد أتقياء أصفياء، يحبون الله ويحبهم، ويملئون الكون بمواجيدهم وضراعاتهم، وأنوار إلهاماتهم، ويحملون الناس على الجادة والطريق الذي اصطفاه الله وارتضاه، فلا تفترق السياسة عن الصلاة، ولا الحكم عن الحب، ولا العمل عن العبادة، فتتحول الدنيا من غاية للشهوات والصراع ولهو الشياطين إلى مساجد للحب والسلام ونجوى الساجدين العابدين.

إنها أحلام الحلاج التي تملأ عليه آفاقه، والتي تعيش في أعماقه، وتبعث الحركة والاضطراب في حياته، ترى هل هو أهل لها بعد؟ وهل يستطيع النهوض بها، فتتحول الأحلام والأماني إلى حقائق حية، تسعى وتعيش وتخلد؟

وهل تستطيع الصوفية، وهل يستطيع المنهج الصوفي أن يقدم له القاعدة الصلبة التي يرتكز عليها، حتى يثب من فوقها؟ لقد جاهد الصوفية أنفسهم في سبيل التصفية والتحلية والتطهر جهادا خالدا لم تعرف صحف الجهاد النفسي مثيلا له من قبل، وفرضوا على أنفسهم مناهج في السلوك، وآدابا في الطريق، وواجبات في العبادات، وأخلاقا في الحياة، هي أسمى تصورات الكمال التي عرفها هذا الوجود ... وامتلأت أيديهم بثورة ضخمة من التجارب العلمية الكاملة التي قاموا بها وحدهم وهم يصعدون معارج الوصول إلى أفق الحب الإلهي، وسموات الإلهام والنجوى ... وتركوا للإنسانية زادا صالحا من معارفهم وإلهاماتهم وعطرا زكيا من أورادهم وعباداتهم، وسيرا وصحفا لهم تشع هدى، وترسل نورا، وتهدي طريقا.

ثم عاش الصوفية بعد ذلك حياتهم داخل أنفسهم أو داخل حلقات دروسهم، وساحات مريديهم، ولم يمدوا أعينهم إلى ساحة الحياة الكبرى، وإلى ميادين جهادها الأخرى.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ١٥