تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهي كلمة تصور لنا منهج الحلاج وهدفه الذي عاش له وبه، لقد رمى بقصده إلى الله سبحانه، وسخر كل ملكاته العقلية والروحية لتحقيق هذا الهدف، بل اتجه بكل أذواقه ومعارفه إلى آفاق هذا المعنى.

فكلمة التوحيد، وهي السطر الأول في كتاب الإسلام، لا تكون صدقا وحقا كما يقول الحلاج، إلا إذا عشناها وتذوقناها، وفنينا في معناها، حتى كأننا حين ننطقها نسمعها من الله جل جلاله، وحينئذ تنبثق في شغاف القلب، وعين الوجدان، ويموج كل شيء بالجلال والنور والمعرفة.

والقرآن الكريم كلام الله فيجب على المؤمن أن يتذوق حقائقه تذوقا روحيا، وأن تتمثل فيه هذه الحقائق تمثلا عمليا وإيجابيا.

ألم تقل السيدة عائشة - رضوان الله عليها - وهي تصف رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه: «كان خلقه القرآن.»

ويمشي الحلاج بهذا الفهم خطوات حتى يقول: «إن المؤمن الصادق يصل به الأمر حتى تكون «باسم الله» منه بمنزلة «كن» من الله سبحانه.»

أي إن «باسم الله» إن نطق بها من تحقق بحقائق القرآن، وتذوقها وعاش بها تكون «باسم الله» منه؛ لها من القوة والأثر ما لكلمة «كن» من الله سبحانه.

ومن كلمات شبابه التي تصور لنا منهجه قوله: «حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصاف بأوصافه.»

إنها البذرة التي ستخرج منها فلسفة الحلاج في مقام الفناء! ويقول الحلاج: «من لاحظ الأعمال حجب من المعمول له - الله - ومن لاحظ المعمول له حجب عن رؤية الأعمال.»

وهذه الصورة المثالية السامية التي تصورها لنا تلك الكلمة، سنجدها بصور أكمل وأسمى في جهاد الحلاج وتضحياته.

تلك بعض خواطر الحلاج القلبية والروحية، وهو في مطلع شبابه قبل أن يسلك المنهج الصوفي على شيوخه، وقبل أن ينتظم في المدرسة الروحية العالمية، مدرسة التصوف، التي كانت تهيمن على العراق وفارس خلال القرن الثالث الهجري.

شيوخه في الطريق

ولما بلغ الحلاج الثامنة عشرة من عمره، اتصل بالإمام الصوفي سهل بن عبد الله التستري، وتلقى على يديه آداب الطريق ومنهجه.

وأعجب الحلاج بشخصية سهل، وبادله شيخه الإعجاب والتقدير، وتلازما ليل نهار، حتى بلغ الحلاج العشرين من عمره، فاعتزم أن يخرج من مدينة واسط الصغيرة إلى العالم الفسيح، فرحل إلى البصرة بعد أن ودع شيخه، وترك كما يقول جانبا من قلبه معه.

وفي البصرة تتلمذ على يد شيخ من شيوخ التصوف، هو عمر المكي الذي سوف يكون له أبعد الأثر في حياته، وفي نكبته، ومن يده تلقى الحلاج خرقة الصوفية وعاش حياتهم.

ثم تزوج الحلاج في البصرة، بأم الحسين بنت أبي يعقوب الأفطع من زعماء البصرة وأهل الصدارة فيها.

واتسم هذا الزواج بالحب والإخلاص وصاحبه التوفيق حتى النهاية، فقد وفت له زوجه في مجده وفي محنته وثبتت إلى جواره، ورزق منها بثلاثة أبناء.

وكان شيخه المكي في خصومة ملتهبة مع صهره، امتدت آثارها إلى الحلاج، فانقطع ما بينهما من مودة، وقامت مكانها خصومة حادة، حتى ضاق صدر الحلاج بالبصرة فارتحل إلى مدينة بغداد.

الحلاج في بغداد

يقول صاحب «العبر»: «تصوف الحلاج، وصحب سهل بن عبد الله، ثم قدم بغداد فصحب الجنيد، والثوري وتعبد وبالغ في العبادة.»

وفي بغداد تتلمذ على أبي القاسم الجنيد، سيد الطائفة، وشيخها الكبير، وتوثقت صلتهما، واشتكى إليه من شيخه المكي فأمره الجنيد بالصبر ومراعاة حق شيخه ... ثم أخذ ما بين الجنيد والحلاج يفتر، فلكل منهما شخصيته ومنهجه، وباعدت بينهما أحداث سنعرض لها في الفصول القادمة إن شاء الله.

ويروى عن الجنيد قوله: «إنني أرى كثيرا من فضول الكلام فيما يقوله الحسين بن منصور.»

ثم اتصل الحلاج برجال مدرسة رسالة القشيري، والتقى بصديق عمره الشبلي كما اتصل بمدارس التصوف وأعلامه اتصالا لم يطل أجله ... فقد أخذ الحلاج يكون لنفسه منهجا ومدرسة وزعامة، ذات أهداف دينية ودنيوية معا ... وكانت بغداد عاصمة الدنيا حضارة وثقافة، وكانت تقدم للحلاج الكثير من المعرفة، ومن الروحية، ومن دوافع الحركة والنشاط والجهاد ... وفي بغداد تلاقت الثقافات العالمية، كما تلاقت المذاهب والملل والنحل المختلفة، وتصارعت كل هذه الألوان الفكرية وتلاحقت وصبغت الحياة الإسلامية بصبغتها وطابعها ... ورأى الحلاج في بغداد الصراع الفكري المشبوب، ورأى في بغداد العصبيات القلبية بين الفرس والترك والعرب، وبين القبائل العربية المختلفة ومثيلاتها. كما رأى ترفا ماجنا هلوكا، ونظاما فاسدا ظالما، وخلافة متكبرة متألهة.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ١٣