تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومقامات التصوف ومعارفه ومناهجه، أفق يتلألأ جمالا وكمالا، أفق صاغه الإلهام، وفتق جوانبه الإيمان، وشيد سماواته الحب الإلهي، وما يفيض هذا الحب من مشاهدة يقينية، وعلوم فيضية، ومنح ربانية.

أفق مترامي الأبعاد، تعجز العقول المادية الأرضية عن ارتياده، واكتشاف أسراره، والاهتداء إلى أنواره.

إنه أفق لأصحاب العقول والأذواق، الذين صفت أرواحهم بالطاعة، ورقت بالمجاهدة، وشفت بالمحبة، وسمت بالاصطفاء، حتى شهدت بالاجتباء ما لا عين رأت، وسمعت ما لا أذن سمعت، ونعمت بما لم تنعم به القلوب التي لم تبرح نطاق الماء والطين.

والقرن الثالث للهجرة، يعتبره الصوفية أكبر وأخطر مرحلة في تاريخ الحياة الروحية.

إنه العصر الذي بلغ فيه التصوف ضحاه، واكتمل نموه، وشيد صرحه، وتدعمت مدارسه.

العصر الذي شهد الأعلام الأئمة الكبار الذين يدين لهم التصوف بخطوطه العريضة المضيئة ... العصر الذي عاش فيه الحارث المحاسبي (ت سنة 243ه) سيد المحدثين عن دقائق ورقائق المحاسبة والمراقبة، وذو النون المصري (ت 245ه) أكبر المتكلمين عن أسرار المقامات والأحوال، وأبو اليزيد البسطامي (ت 264ه) بتحليقاته وإلهاماته في مقامي الحب والفناء، وأبو سعيد الخراز (ت 277ه) أستاذ مدرسة السلوك القلبي، والخلق المثالي، وسهل بن عبد الله التستري (ت 283ه) مربي العارفين القانتين، وشيخ الطائفة وإمامها، أبو القاسم الجنيد (ت سنة 297) الحجة الذائق، الواصل في مقام التمكين.

وأخيرا الشهيد، الحسين بن منصور الحلاج، الذي بلغ به التصوف كما يقول ماسنيون أقصى درجاته الفنية، وتحقق فيه الرمز الأعلى للصوفي المحب الفاني.

والحياة الصوفية في القرن الثالث الهجري، بكل ما فيها من عظمة وإشراق، وأسرار في المقامات والأحوال، وبكل ما اشتملت عليه، من محبة وفناء ومشاهدة، وفرق وجمع وفتح، وجهاد في سبيل الكمال، واستشراف للمثل الأعلى.

كل هذا نشاهده مبينا واضحا مصورا في حياة الحلاج، ونضاله، وصراعه واستشهاده.

بل إن الحلاج، ليعرض علينا، آفاقا قلبية، ومعارج روحية، وألوانا من الحب الإلهي وإلهاماته، وما فيه من شوق ووجد، وعذاب وحرقة، وتقلب في ملكوت المشاهد والأنوار، لا نراها عند غيره.

لقد انبثق الحب الأعلى، الحب الأعظم، في قلبه ووجدانه، وحسه ودمه وكيانه، فأذهله وحيره، وأفناه عمن سواه، حتى لنراه، في أسواق بغداد بقامته الفارعة، ولونه الأسمر الجميل، وسمته المهيب، ومنطقه الساحر، وهو يهيم على وجهه، وقد صرعه حبه، وهو يصيح: «يا أهل الإسلام. أغيثوني! فليس - أي الله - يتركني لنفسي فأتهنى بها! وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها، وهذا دلال لا أطيقه ...»

7

مولده

في بقعة من بقاع فارس الجميلة العريقة، الغنية بخيرات أرضها، وثمار عقول أبنائها، وفي ضحى العصر الذهبي للتصوف، في مطلع عام 244ه/858م ولد الحسين بن منصور الحلاج، في بلدة تور في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء.

8

وتقدم لنا دائرة المعارف الإسلامية، روايتين متناقضتين عن نسبه، فالرواية الأولى تصعد به إلى أبي أيوب الأنصاري الصحابي الجليل، وبذلك تجعله عربيا خالصا. وتقول الرواية الثانية: إنه حفيد مجوسي من أبناء فارس.

9

والرواية التي تنسبه إلى الأنصار لم تثبت تاريخيا، ولم يقل بها مؤرخ عربي، فإجماع رجال التاريخ، على أنه فارسي الأصل، كما هو فارسي المولد.

يقول ابن كثير:

10 «هو الحسين بن منصور بن محمي الحلاج أبو مغيث، ويقال أبو عبد الله، كان جده مجوسيا، اسمه محمي، من أهل فارس من بلدة يقال لها البيضاء. ونشأ بواسط، ويقال بتستر.»

ويقول المستشرق ماسنيون: إن البقعة التي ولد فيها كانت من أعظم مناطق النسيج في الإمبراطورية الإسلامية. وإن والده كان من عمال النسيج؛ ولهذا سمي حلاجا، وهو استنتاج فكري من ماسنيون لم يقم عليه من التاريخ شاهدا أو دليلا.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ١١