ولنا أن نسأل هل شكوك الغزالي طارئة؟ وهل حقيقة أن الشك لم يظفر بقلبه إلا في المدرسة النظامية؟ وهل حقيقة أنه اعتزل الطعام والكلام لأنه وجد نيته في التدريس غير خالية من حب الشهرة والمجد؟
عراقته في الشك
إن نظرة إلى حياة الغزالي ترينا أنه عريق في الشك؛ فهو يحدثنا أنه كان في مطالعاته يخوض بحور العلم خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، وأنه كان يتوغل في كل مظلمة، ويتهجم على كل مشكلة، ويتفحص كل عقيدة، لا يميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا يغادر باطنيا إلا ويحب الاطلاع على مبادئه، ولا ظاهريا إلا ويريد الإحاطة بآرائه، ولا زنديقا إلا ويتجسس على ألوان زندقته، ولا متعبدا إلا ويجتهد في تفهم دوافع عبادته، كل ذلك منذ شبابه.
أليست هذه أكبر آيات الشك؟ وأليست هذه نذر عدم الإيمان أو الاطمئنان إلى مذهب من المذاهب أو لون من الألوان؟
وقد أخطأ كثير من مؤرخي الغزالي حينما ظنوا أن فترة الشك إنما ظفرت بقلبه وهو يدرس في المدرسة النظامية، وأنه قد وثب من الشك إلى التصوف وثبا، ويستدلون على هذا بأن كتب الغزالي التي كتبها قبل ذلك التاريخ قد خلت من جموح المتشكك، ووثبات عدم الإيمان.
ويقولون أيضا: إن عصر الغزالي كان من أكبر عهود الشك والتلون في التاريخ؛ فليس ثمة من تقاليد أو رهبة تمنع الغزالي من المجاهرة بشكه في مثل هذا المحيط، وهو الجريء المتوثب.
ويظنون بهذا أنهم قد أقنعوا أنفسهم وأقنعوا التاريخ معهم.
فلو تأملنا قليلا في كتبه التي كتبها في تلك الفترة لرأينا عجبا! لرأينا الغزالي المؤمن فيما يظهر، هو أكبر شاك فيما يبطن.
ومن يقرأ مقاصد الفلاسفة يلمح من بين سطوره أن الغزالي يكتب ليقنع نفسه؛ ولهذا فهو يجمع شتيتا من حجج الفلاسفة ويعرضها ويبسطها ويتلاعب ويفتن في تصويرها وتلوينها، وكأنه يتغزل فيها ويناغيها.
وقد عرف عنه هذا في ردوده على الباطنية؛ فقد عمد إلى توضيح مذاهبهم تمهيدا لمهاجمتهم، ولكنه كان في توضيح مبادئهم أكثر منهم أنفسهم بيانا وفصاحة وإغراء في عرض حججهم وإبراز قوة الإقناع فيها.
فلما هاجمهم لم يغن عنه هذا شيئا في اتهامه بالميل إليهم والمحبة لهم.
ومن يقرأ تهافت الفلاسفة يلمس أنه كتب أولا وقبل كل شيء ليرضي شكوكه، فهو يهاجم الفلسفة في عنف وفي حرارة، ويجمع في يديه جميع الأسلحة الفكرية التي يؤمن بها والتي لا يؤمن؛ ليحطم الفلسفة ومذاهبها ودعاتها، بل ليحقر من شأنها، ولينال من أفكارها وطرقها العقلية في إصرار وعناد.
ثم من يقرأ كتبه المعاصرة لهذا التاريخ يرى تباينا عجيبا في آرائه، فهو يهاجم الفلاسفة محتجا بآراء المعتزلة والأشعرية، ويهاجم المعتزلة محتجا بأهل السنة، ويهاجم رجال الفقه محتجا بالتصوف.
وإذن؛ فالغزالي عريق في الشك، أو على الأقل لم يهب نفسه لفكرة واحدة، ولم يستأثر بقلبه إيمان معين.
ولكن الغزالي امتاز بين المتشككين بأنه نشد الهداية في صدق وحرارة، وتلمسها راغبا حقا في الظفر بها، كان يشعر بحنين ملح إلى الاطمئنان واليقين، يطاول تلك الرغبة الملحة في الشك والجدل.
ومرجع هذا أن الغزالي كان يلتقي في قلبه خليط من شكوك عقله بخليط من إيمان قلبه؛ فقد كان عقله أدنى إلى عقول العلماء الذين لا يؤمنون إلا بالمنطق وحقائق الموازين العلمية، بينما كانت روحه أدنى إلى أرواح الزاهدين العابدين.
ومن هنا نفهم السر في الصراع المشبوب أبدا بين روحه وعقله، ومن هنا ندرك السر في أنه كلما اشتدت به ثورة الشك كان يأخذه المرض حتى يعجز عن الطعام والكلام.
وقد ثارت به في المدرسة النظامية عندما بلغ غاية عليا بين العلماء ورجال المال والجاه رغبة ملحة إلى الإيمان، كما ثارت به ثورة من الشك حارة قاسية.
الأولى تذكره بالآخرة ونعيمها ورضاء الله وجلال القرب منه، وتذوق رحيق الرضا والسلام واليقين.