2
فأعرض عنها كما أعرض عن العلوم التقليدية والفلسفية من قبل.
وظن أصدقاء الغزالي وأعداؤه معا أنه قد بلغ الغاية من السعادة؛ فقد حقق لنفسه منتهى آمال أمثاله من رجال الدين والتدريس.
فهو صديق الأمير وعالمه، كما يتولى التدريس في أكبر جامعة علميه في عصره، له فيها المكان المرموق والكلمة العالية، وأصبحت حلقات درسه ملتقى الأمراء والوزراء والعلماء، وغدت فتاويه أشبه بالفرمانات الملكية؛ حتى ليستأذنه الأخفيش في غزو الأندلس، كما يطلب فتواه في جواز توليته ملك الأندلس مع المغرب وتلقبه ب «أمير المؤمنين».
وفي هذا الجو الساحر الزاخر بمتع الحياة وسيادة الفكر، وبين تلك المكانة العليا التي غدت للغزالي في العالم الإسلامي من بغداد إلى تخوم الهند وسواحل المحيط الأطلسي، كان الغزالي يتعذب ويتألم، ويشقى شقاء لا يعرفه إلا العلماء، ولا يتصوره إلا رجال الفكر.
كان لهب الشك يحرقه في صمت، وكان تعطش روحه العميق إلى الإيمان يفسد عليه متع الحياة.
وكان الغزالي كثيرا ما يحاور نفسه ويجادلها، ويقلب أفكاره ويفندها، ويختلي بقلبه يسأله الإيمان بعد أن أضله العلم والعقل، فلا يسمع من قلبه جوابا، ولا يرى في حياته للأمل بابا.
وإذ به فجأة ينقطع عن الدرس والفتيا؛ وإذ به فجأة يلازم الفراش لغير علة واضحة، وإذ به يجافي الطعام، وينعقد لسانه عن الكلام، وإذ بقوة هضمه تبطل، وإذ به في حالة ذهول كامل حار فيها الأطباء، وعجز العلم عن توضيحها وتعليلها.
حتى إذا يئس طبيبه من أمر مرضه، قال: هذا أمر ينزل في القلب، ولا رجاء في حياته إذا لم يتغلب على مشاغل نفسه، ولم يخفف وطأة إجهاد ذهنه.
ولكن هذا المريض الفاقد للحركة وشهوة الطعام والكلام ينهض فجأة إلى الحج، ثم إذ به يعلن للدنيا اعتزاله التدريس ومظاهر الحياة وانقطاعه لعبادة الله.
أسباب عزلته بقلمه
يقول الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال»، موضحا هذا الصراع الخالد:
فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من سنة، وأخيرا جاء دور العمل، وجاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، وقد قفل الله لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطيبا لقلوب المختلفين إلي، فكان لا ينطلق لساني بكلمة ولا يستطيعها ألبتة، ثم أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب بطلت معه قوة الهضم حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج، وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم.
ثم لاحظت أعمالي؛ فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من جميع الجوانب، ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم، فإنما أن معتقل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة.
ثم تفكرت في نيتي في التدريس؛ فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت؛ فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال. فلم أزل أتفكر فيه مدة وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما، وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر أخرى، لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملة فتفترها عشية؛ فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية وينجزم العزم على الهرب والفرار.
ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، إياك أن تطاوعها فإنها سريعة الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمن السلم الصافي عن منازعة الخصوم ربما التفت إليه ولا يتيسر لك المعاودة.