يقول العلامة ماكدولاند: «إن الغزالي لم يكن كشافا، ولا أول من ركب الطريق واهتدى إلى النجد، ولكنه كان رجلا كبير الشخصية شديد التأثير النفسي، نهج سبيلا مطروقة فجعلها مشرعا عاما ومحجة واضحة، وهذا من فضل شخصيته وقوة خليقته.»
ونستطيع أن نضيف إلى قوة التأثير النفسي وقوة الشخصية القوة العلمية العظمى التي تفوق بها الغزالي، تلك القوة التي جعلته نسيج وحده بين عباقرة الفكر في عصره.
أو كما يقول الأستاذ الأكبر المراغي في الدلالة على تعدد جوانب العظمة في تلك العبقرية:
إذا ذكر ابن سينا أو الفارابي خطر بالبال فيلسوفان عظيمان، وإذا ذكر ابن العربي خطر بالبال رجل صوفي له في التصوف آراء لها خطورتها، وإذا ذكر البخاري ومسلم وأحمد خطر بالبال رجال لهم أقدارهم في الحفظ والصدق والأمانة والدقة ومعرفة الرجال، أما إذا ذكر الغزالي فقد تشعبت النواحي، ولم يخطر بالبال رجل واحد، بل خطر بالبال رجال متعددون، لكل واحد قدرته وقيمته.
يخطر بالبال الغزالي الأصولي الماهر، والغزالي الفقيه الحر، والغزالي المتكلم إمام أهل السنة وحامي حماها، والغزالي الاجتماعي الخبير بأحوال العالم وخفيات الضمائر ومكنونات القلوب ، والغزالي الفيلسوف أو الذي ناهض الفلسفة، وكشف عما فيها من زخرف وزيف، والغزالي المربي، والغزالي الصوفي الزاهد، وإن شئت فقل: إنه يخطر بالبال رجل هو دائرة معارف عصره.
تلك هي شخصية الغزالي، شخصية كاملة القوى العلمية على تشعبها وتعددها، كاملة الحرارة الروحية والإيمان القلبي، وبفضل تلك الشخصية أضفى عليه العالم الإسلامي لقبه الخالد: حجة الإسلام.
حجة الإسلام
جاء الغزالي والفلسفة تناهض الدين وتواثبه، والمذاهب العقلية تتصارع وتبرع في الجدل والاستخراج، وتبتعد عن الروح والقلب، وجمهرة المسلمين في حيرة، ورجل الشارع متعب القلب، متعب الروح، لا يعرف كيف يهتدي، ولا يعرف كيف يطمئن بين تلك التيارات.
فحطم الغزالي الفلسفة، وصرع المذاهب، ثم أتى إلى الجمهرة الإسلامية فخاطب منها القلب والروح، وأدخل السلام والهدوء إلى القلوب والأرواح.
وأعاد للإسلام شبابه في القلوب، وحجته في العقول، ومكانته في الأرواح والعبادات.
هدم الغزالي الفلسفة القديمة ليقيم الدين ويعلي بنيانه، ثم عاد بالناس من الجري وراء النظريات والجدليات واختلاف المذاهب إلى روح الإسلام وجوهره الصافي، ومثله العليا الداعية إلى الإيمان والسلام.
علم الناس أن الحياة محبة؛ محبة لله في جلاله، ومحبة للأنبياء جميعهم، ومحبة للبشرية كافة، ومحبة للخير على تعدد ألوانه، ومساعدة عليه بالنفس والمال، ودفع للأذى عن كل روح أيا كان لونها أو دينها.