أما ابن رشد: فقد هاجمه دفاعا عن الفلسفة وانتصارا للفلاسفة، وهو هجوم لم يثبت على التاريخ؛ لأن الغزالي كان فيه نصيرا للروح الإسلامي، وكان ابن رشد فيه صدى لأفكار غيره من فلاسفة الإغريق وسواهم من المتأخرين.
وأما ابن القيم ومن ذهب مذهبه وجرى في عنان الخصومة جريه، فقد حصروا نقدهم للغزالي في عشرين مسألة تدور بأسرها على محور واحد، وهو إسراف الصوفية في الابتعاد عن المظاهر الإسلامية، وأهم تلك المسائل: (1)
قول الغزالي: «ليس في الإمكان أبدع مما كان»؛ فقد اعتبروا أن في تلك الكلمة ما يوهم العجز في قدرة الله تعالى. (2)
وصفه الرياضة الروحية بأنها تفريغ القلب بالخلوة، والجلوس في مكان مظلم، فإنه في مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق تعالى ويشاهد جلال الربوبية؛ فيقول له ابن القيم: «وما أدراك أن ما يسمعه حينئذ هو هذيان روحه ووسوسة شيطانه؟! فإن الامتناع عن الأكل والاختلاء في الظلام يبعث الوساوس والجنون.» (3)
تأييده لقول الجنيد: إذا كان الأولاد عقوبة شهوة الحلال، فما ظنك بعقوبة شهوة الحرام؟ (4)
تقريره أن بعضهم بات عند السباع في البرية ليتحقق من صحة توكله على الله! (5)
قوله: إن بعض الشيوخ كان يكسل في بدايته عن قيام الليل، فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل؛ لتصير نفسه بحيث تجيبه إلى قيام الليل اختيارا! (6)
قوله في الإحياء: إذا طلب الرجل علم الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج؛ فقد ركن إلى الدنيا. (7)
قوله نقلا عن أبي حمزة البغدادي: «إني لأستحي من الله أن أدخل البادية وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل، لئلا يكون شبعي زادا تزودت به.» (8)
تقريره ما حكاه عن أبي حسن الدينوري أنه حج اثنتي عشر حجة وهو حاف مكشوف الرأس.
قال ابن القيم:
هذا من أعظم الجهل لما في ذلك من الأذى للرأس والرجلين، ولا تسلم الأرض من الشوك والوعر، وكأن هؤلاء الصوفية ابتكروا من عند أنفسهم شريعة سموها بالتصوف وتركوا شريعة محمد
صلى الله عليه وسلم
بجانب، فنعوذ بالله من تلبيس إبليس، فإن مثل هذه الحكايات تفسد عقائد العوام، فيظنون أن فعله من الصواب.
ويقول ابن القيم أيضا:
وإني لأتعجب من أبي حامد هذا كيف يأمر بهذه الأمور التي تخالف الشريعة! وكيف يحل لأحد أن يقوم على رأسه طوال الليل؟! وكيف يحل رمي المال في البحر فيما رواه عن الشبلي من أنه كان يرمي ما معه من الدنانير في الماء ويقول: ما أعزك عبد إلا أذله الله.
ثم يعقب ابن القيم بقوله:
كانت الزنادقة في العصر الأول يكتمون حالهم، ولم يتجاسروا على إظهار ما عندهم حتى جاءت الصوفية، فرفضوا الشريعة جهرا وتستروا بمسمى الحقيقة، وصاروا يقولون: هذا شريعة وهذا حقيقة، وهذا من أقبح الأمور؛ لأن الشريعة قد وضعها الله تعالى لصالح العباد في الدارين، فما الحقيقة بعد ذلك إلا إلقاء الشيطان في النفس، وقد تمادى هؤلاء الجهلة في غيهم حتى صار أحدهم يقول: حدثني قلبي عن ربي، وذلك تصريح بالاستغناء عن بعثة الرسل وهو كفر، وهي حكمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة، ولكن قد صار الخروج عن الشريعة كثيرا بالسكوت على هؤلاء الجهال الذي سموا أنفسهم بالصوفية.
تلك هي خلاصة التهم التي وجهت إلى الغزالي، وتلك هي خلاصة الأقوال العنيفة التي وجهها إليه خصومه.
وهذا التراث الضخم الذي تركه الغزالي، وهذه الخصومة العنيفة التي أثارها ما كان ينبغي لها أن تمر دون أن يجد خصومه في آثاره ما يمسكونه به، وما يأخذونه عليه.
ولا جدال في أن الغزالي قد أسرف على نفسه، وأسرف على قرائه بتلك السبحات الصوفية التي تدل ظواهرها على ما يخالف ظواهر الشريعة الإسلامية.
ولا جدال أيضا في أن الغزالي كان يعلم حقيقة الشرع أكثر مما يعلم خصومه، وأنه كتب ما كتبه لفئة معينة من رجال التصوف ألزموا أنفسهم بألوان من العبادات والطاعات معينة، وحالات الإلزام الشخصية الاختيارية لا اعتراض عليها ما لم تؤد إلى الضرر العام.