تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يحدثنا التاريخ كثيرا عن والده، ولا يروي لنا من صفاته إلا ذلك الإجلال العظيم الذي كان يملك حواس ذلك الوالد حيال رجال الدين والعلم، حتى إذا سمع واعظا أو فقيها تضرع إلى ربه أن يرزقه ابنا خطيبا واعظا أو عالما متعبدا.

ولعل هذا الإحساس الملح، والرغبة النفسانية العنيفة في اكتساب المجد العلمي وتقديس الثوب الديني، قد ورثهما الغزالي عن والده، وإنما في صورة أخرى، فقد أتيح للولد ما لم يتح للوالد، ولعلنا في هذا الضوء؛ نستطيع أن نفهم النهم العجيب في الغزالي، الذي كان يدفعه في إلحاح وإصرار إلى الاستزادة من العلوم والإقبال على المعارف.

ومات هذا الوالد، والغزالي وشقيقه أحمد في مدارج الطفولة الأولى، فتعهدهما رجل صوفي فقير من أصدقاء والدهما الذي لم يترك لهما إلا صبابة من المال ضئيلة، ولم يترك للصوفي إلا وصية واحدة هي قوله: «كانت أمنيتي في الحياة أن أتعلم الخط، فأريد منك أن تحقق أمنيتي في نجلي هذين»، وقد بر الصوفي بتلك الوصية؛ فاهتم بهما علما وخلقا، حتى نفدت صبابة المال التي تركها والدهما؛ فضاقت يده عن طعامهما والإنفاق عليهما فقال لهما:

اعلما أنني أنفقت عليكما ما كان لكما، وأما أنا فرجل من الفقر والتجريد؛ بحيث لا مال لي فأواسيكما وأصلح حالكما، فما لكما ألا تلجآ إلى مدرسة، فإنكما طالبان للفقه عساه يحصل لكما مقدار قوتكما.

1

حتى كان الغزالي يقول كلما عاودته تلك الذكرى: «طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.»

وقضى الغزالي فترة في إحدى مدارس العلم الديني في بلدته، قرأ الفقه خلالها على: «أحمد بن محمد الطوسي»، ثم جنحت به نفسه إلى الاستزادة من العلوم، فهاجر إلى جرجان إلى الإمام العلامة «أبي نصر الإسماعيلي».

وفي جرجان ابتدأ الغزالي يكتب ما يتلقى من علوم أستاذه، ولكن يظهر أنه لم يستفد عقليا مما كتب أو استمع؛ بل كان يقرأ أو يكتب في نهم وسرعة دون عناية بالفهم والهضم؛ يدل على ذلك تلك القطعة الطريفة الساذجة المكتوبة بقلمه في اعترافاته التي أسماها: «المنقذ من الضلال»، والتي تدل على تلك الفترة من حياته قال:

قطعت علينا الطريق، وأخذ العيارون جميع ما معي ومضوا، فتعقبتهم، فالتفت إلي مقدمهم، وقال: ارجع ويحك! وإلا هلكت. فقلت له: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به. فقال لي: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها، ومعرفة علومها. فضحك، وقال: كيف عرفت علمها، وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت لا علم؟ ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلي المخلاة، فتركت تلك الحادثة في نفسي أثرا كبيرا، وقلت في نفسي: هذا مستنطق أنطقه الله؛ ليرشدني به في أمري. فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع علي الطريق لم أتجرد من علمي.

وتلك القطعة التصورية من قلم الغزالي تدلنا على صفة كان لها أكبر الأثر في إعداده ورسالته، وهي تأثره العجيب بالجانب الديني الصوفي من الحياة، فهو يرى في جواب قاطع الطريق رسالة سماوية ونطقا ربانيا لإرشاده في أمره وطرق تعليمه.

عاد الغزالي من جرجان إلى طوس، وانقطع انقطاعا تاما - كما يقول - إلى العلم ثلاث سنوات؛ حتى حفظ جميع ما درس، واستوعب ما قرأ، بحيث لو قطع عليه الطريق، وسرق ما معه لم يتجرد من العلم والمعرفة. والعلم في نظر الغزالي كان خلال تلك المدة غير واضح المعاني، غير واضح الأهداف؛ فهو يدرس ويحفظ على طريقة عهده كتب الدين وآراء المذاهب والفقهاء؛ ليكون يوما ما من رجال التدريس أو القضاء، أو قد يسعده الزمان فيلتحق ببطانة عظيم أو أمير أو سلطان.

ولكن تلك الروح العظيمة التي أعدت لغير ما يعدها صاحبها لم تقنع بما وصلت إليه من دراسات، ولم تطمئن إلى ذلك اللون من التعليم، بل لم تقنع بما ألقي إليها من يقين؛ إذ هي تنشد معاني أخر، وتلتمس بابا إلى النور لم يزل خافيا.

الغزالي · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الغزاليص ٣