وهو يعرض صورة الصوفية في براعة وتشويق شأن أساليبه، والقلوب تسارع إلى التمسك بتلك الصور المعطرة بذكر الله والجنة، فتنسى في تلك الوثبة الروحية في ختام البحث مثلا أن الغزالي قد بدأه بقوله:
من لم تكن بصيرة عقله نافذة فلا تعلق به من الدين إلا قشوره، بل خيالاته وأمثلته دون لبابه وحقيقته، فلا تدرك العلوم الشرعية إلا بالعلوم العقلية؛ فإن العقلية كالأدوية للصحة، والشرعية كالغذاء، والنفس المريضة المحرومة من الدواء تتضرر بالأغذية ولا تنتفع بها.
وذلك اعتراف صريح من الغزالي بأن العلوم الشرعية والأخروية لا تدرك إلا بعد التمكن من العلوم العقلية؛ لأنها الميزان والدواء، بل هو يربط معرفة الله بمعرفة علوم الكواكب والآثار العلوية، ومعرفة أقسام الموجودات وآيات الآفاق في كثير من بحوثه، فيكف يتهم الغزالي بعد ذلك بأنه من خصوم العلوم والفنون؟!
العلم أصيل في النفوس
يرى الغزالي أن النفس الإنسانية معدن للعلم والحكمة ومنبع لها، فالمعارف أصيلة فيها لا دخيلة عليها.
مثلها في ذلك كالنار في الحجر، والماء في الأرض، والنخل في النواة، ولذلك وجب السعي للتعلم؛ لتعود النفس إلى فطرتها، ولا بد من الصبر والتجمل في الصبر لإدراك تلك الغاية العليا.
والغزالي هنا متأثر بالصوفية؛ فالمتصوفة يقولون: إن العلوم كافة موجودة في القلب، وإنما أسدلت على القلوب أحجبة من الظلمة طمست تلك الأنوار، فلو رفعت الحجب بالرياضة والمجاهدة لامتلأت القلوب حكمة وعلما.
الغاية من العلم
يضفي الغزالي على الغاية من العلم ثوبا خلقيا؛ لأنه ينظر إلى الدنيا دائما نظرة مثالية، فالغاية من العلم عنده هي بلوغ النفس كمالها؛ لتسعد بكمالها مبتهجة بما لها من البهاء والجمال أبد الدهر.
وهذا التعريف يشتمل على أدق ما قيل في الغاية من العلم، والهدف الذي ينشده الإنسان من ورائه.
بلوغ النفس كمالها، تلك غاية العلم، وغاية هذا الكمال سعادة النفس بما لها من البهاء والجمال؛ بهاء العلم وجمال المعرفة.
واجبات المتعلم
ثم يضع الغزالي دستورا شاملا للآداب والأخلاق والمبادئ الواجبة على المتعلم والمعلم وطرق التعليم ووسائله، فيرى أن على المتعلم واجبات، أهمها: ألا يبدأ دراسته في علم ما بتعلم الاختلاف الواقع بين أصحاب هذا العلم؛ لأن ذلك يفتر عزمه، ويضعف إيمانه فيما يتعلم.
وألا يدع فنا من فنون العلم ونوعا من أنواعه إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على غايته ومقصده وطريقه، ثم يتخصص بعد ذلك؛ لأن العلوم جميعها متعاونة، يفيد بعضها بعضا، وحتى لا يكون معاديا لعلم ما بسبب جهله له؛ فإن الناس أعداء ما جهلوا، قال تعالى:
وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم .
ثم من واجباته أيضا ألا يخوض في فنون العلوم دفعة واحدة، بل يراعي الترتيب؛ فيبدأ بالأهم فالأهم، ولا يخوض في فن من الفنون حتى يستوفي الفن الذي قبله، وألا يبتر العلم، بل يتمه؛ لأن العلم يجب أن يكون تاما وإلا كان مضرا. نعوذ بالله من نصف متكلم ونصف طبيب؛ فذلك يفسد الدين، وهذا يفسد الحياة الدنيا.
تلك آراء الغزالي في واجبات طالب العلم وأساليب التعليم، وهي تطابق أرقى البرامج العلمية الحديثة، وتتمشى جنبا إلى جنب مع المناهج المستحدثة في الكليات والجامعات، من حيث التخصص بعد الإلمام العام.
ومن أروع لفتات الغزالي البارعة أنه يجب الاطلاع على كل علم حتى لا يعادى بسبب الجهل به؛ لأن الناس أعداء لما جهلوا.
ثم يجعل الغزالي رسالة العلم مستمرة، فيقرر أن المتعلم إذا بلغ الغاية من العلوم أصبح من الواجبات المقدسة عليه أن يعلم غيره؛ حتى تتم حلقة العلم فتشمل الإنسانية كافة.
واجبات المعلم
وعلى المعلم آداب وواجبات أهمها:
أن يجعل تلاميذه عنده كبنيه تماما حبا ورعاية وإخلاصا في تثقيفهم وتعليمهم، وتزويدهم بالمثل العليا التي تفيدهم وتفيد الإنسانية على أيديهم.