ولقد أنتجت تلك الحركة ثمارا طيبة؛ لأنها خففت من غلواء المذاهب الفلسفية، وأبعدت فتنتها عن كثير من العقول، إلا أنها كانت كما يقول الغزالي في موازينه العلمية: «إن لكل شيء وجهين؛ وجه خير ووجه شر.» لأنها أنتجت من الناحية الأخرى فكرة متطرفة مسرفة في التطرف، ترمي إلى النفور من الفلسفة طالحها وصالحها بلا تمييز أو تفكير.
وبلغ من الغلو في تلك الناحية أن حرم كثير من علماء الدين البحوث العقلية، بل اتخذ هذا التحريم حجة في المناقشات ودحض البراهين، حتى أصبح شعارا للجامدين من الفقهاء رمي المفكرين بالزندقة والإلحاد.
والغزالي لم يقصد هذا ولم يرم إليه، وإنما جرح من الفلسفة كل ما يتعارض مع أصول الدين وقواعده، وأما ما عدا ذلك فقد دافع عنه بحرارة وغذاه وأوضحه، ونشره على الخافقين في بحوثه ودراساته.
يقول الغزالي في مقدمة كتابه «تهافت الفلاسفة» ما خلاصته: «إن الفلاسفة من عهد أرسطو إلى عهدنا هذا قد بنوا مذاهبهم في الإلهيات على ظن وتخمين، من غير تحقيق ويقين، ويستدلون على صدق علومهم الإلهية بظهور العلوم الحسابية والمنطقية، ويستدرجون بهذا ضعفاء العقول، ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية لما اختلفوا فيها، كما لم يختلفوا في الحسابية والمنطقية.»
وبهذا المنطق القوي الواضح السائغ ناقش الغزالي الفلاسفة، فحطم ونقض جميع ما دبجت أقلامهم في الإلهيات وعلوم ما وراء الطبيعة.
| الغزالي ينشد الحق ولا يتقيد بالمذاهب
بعد أن طوف الغزالي في آفاق العلوم التقليدية والعقلية والمذهبية، وبعد أن صقل روحه بالمجاهدات والكشف الباطني، استن لنفسه نهجا مستقلا؛ فهو طالب حق وحكمة، شعاره: «لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله»، وبهذا ابتدع الغزالي مذهبا فريدا بين مذاهب الفكر الإسلامي.
فهو لا يتقيد ولا يقيد نفسه بالانتساب إلى فرقة ما، أو مذهب خاص، أو يربط تفكيره إلى مركبة جماعة من جماعات العلم يفكر بتفكيرهم؛ فيصوب ما يصوبون، ويخطئ ما يخطئون.
بل هو ينشد الحق والحق وحده أينما وجد، وأي لسان به نطق؛ فيأخذ من آراء المتكلمين ما يؤمن به، ومن آراء الفقهاء ما يعتقده بلا عصبية أو جمود. فهو يبيح لنفسه الاجتهاد، بل يبيح لكل إنسان الاجتهاد؛ ليكون صاحب مذهب ورأي لا عبدا من عبيد التقليد والمذاهب.
وقد وضح الغزالي مذهبه الفكري بقوله في كتابه «ميزان العمل»:
لعلك تقول إن كلامك في هذا الكتاب انقسم إلى ما يطابق مذهب الصوفية، وإلى ما يطابق مذهب الأشعرية وبعض المتكلمين، ولا يفهم الكلام إلا على مذهب واحد. فما الحق من هذه المذاهب؟ فإن كان الكل حقا، فكيف يتصور هذا؟ وإن كان بعضه حقا فما ذاك الحق؟
ثم يجيب عن هذا بقوله:
اطرح المذاهب، فليس مع واحد منهم معجزة يترجح بها جانبه. فاطلب الحق بطريق النظر، لتكون صاحب مذهب، ولا تكن في صورة أعمى مقلد، وإنما خذ الحق أينما وجدته، وفي أي ناحية كان، واطلب الحق بالنظر لا بالتقليد؛ فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أينما وجدها.
وتلك رحابة فكرية من الغزالي لم تعرف لغيره من رجال الدين؛ فهو ينشد الحق لا المذهب، ويعرف الحق أولا ثم الرجال، لا الرجال أولا ثم الحق.
وهو يرى أن العصبية لمذهب ما تحرم الإنسان من جني ثمرات طيبة في غيره. فليس مذهب ما مهما عاديناه وخاصمناه يخلو من فكرة رائعة، ونظرة صائبة ولو في جانب واحد، ومذهبنا الذي نعتنقه مهما أحببناه وقدسناه لا يخلو من ضعف ولو في فكرة واحدة من طرائق بحثه وعرضه، فلم نقيد أنفسنا، والعلم كالفكر يجب أن نحرره من العصبية، فننشده في كل أفق ونطلبه في كل نبع؟!
وهي فلسفة غزالية مبتكرة في التفكير الإسلامي، بل هي فلسفة غدت اليوم من سمات العلماء المجددين.