إني أنا الله رب العالمين .
فكان هذا هو الفيصل، وكانت تلك الرؤيا هي خاتمة الجهاد النفسي، وخاتمة الشكوك، وبداية اليقين والإلهام، والخيط الأول في الفلسفة الغزالية الروحانية.
كان التشاغل بالدنيا هو الحجاب الذي يجب على الغزالي أن يمزقه، وكان حب الله والتفاني في عبادته هو قطرة النور الأولى في هذا الفيض، فتصوف وسلك الطريق، وسار على الجادة؛ حتى كان طليعة القوم ودليل القافلة.
كان هذا الحب الإلهي هو إلهامه ودليله ورائده، فأصبحت رسالته عبادة ومحبة، وقد صبغ الوجود، وأفنى ذاته في جلال تلك المعاني حتى غدا العلم لديه تعبدا؛ لأنه يريه الله في كل شيء، ولأنه يجعل الطبيعة أمامه محاريب دائمة للصلاة والفكر.
وهكذا لجأ الغزالي إلى الاعتكاف والعزلة في جوانب المساجد ومناراتها، يعبد الله ويتأمل في آياته، ويفنى حبا وغراما.
جعل الغزالي الحب الإلهي هو غاية الحياة كما هو سر سعادتها، انظر إليه إذ يقول في توضيح السعادة:
سعادة كل شيء لذته وراحته، ولذة كل شيء تكون بمقتضى طبعه، وطبع كل شيء ما خلق له؛ فلذة العين في الصور الحسنة، ولذة الأذن في الأصوات الطيبة، وكذلك سائر الجوارح بهذه الصفة، ولذة القلب الخاصة بمعرفة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه مخلوق لها، وكل ما لا يعرفه ابن آدم إذا عرفه فرح به مثل الشطرنج إذا عرفها فرح بها، ولو ينهى عنها لم يتركها، ولم يطق عنها صبرا، وكذلك إذا وقع في معرفة الله سبحانه وتعالى فرح بها ولم يصبر عن المشاهدة؛ لأن لذة القلب المعرفة، وكلما كانت المعرفة أكبر كانت اللذة أكبر؛ ولذلك فإن الإنسان إذا عرف الوزير فرح، ولو عرف المليك لكان أعظم فرحا، وليس موجود أشرف من الله سبحانه وتعالى؛ لأن شرف كل موجود به ومنه، وكل عجائب العالم أثر من آثار صنعته، فلا معرفة أعز من معرفته، ولا لذة أعظم من لذة معرفته، وليس منظر أحسن من منظر حضرته، وكل لذات شهوات الدنيا متعلقة بالنفس، وهي تبطل بالموت، ولذة معرفة الله متعلقة بالقلب فلا تبطل بالموت؛ لأن القلب لا يهلك بالموت، بل تكون لذته أكثر وضوءه أكبر؛ لأنه خرج من الظلمة إلى النور.
فالغزالي يقرر في ثقة يقينية ووضوح وصراحة بأن الحياة الفاضلة السعيدة هي معرفة الله وعبادة الله ومحبة الله؛ تلك هي الغاية العليا والهدف الأسمى؛ لأن كل لذة سواها فانية، وكل غاية سواها لاغية.
فإن كان «شوبنهور» لخص فلسفته كلها في كلمة واحدة هي جماع رسالته؛ إذ يقول: «إن الحياة إرادة»، وإذا كان «نيتشه» جعل آيته الذهبية قوله: «الحياة هي القوة»؛ فإن آية الغزالي ورسالته: «الحياة محبة وعبادة.»
وبذلك يلتقي الغزالي بالفيلسوف الروماني «سنكا» الذي كان يقول: «ولدنا خاضعين لأحكام الله، فمن أطاع الله كان حرا آمنا سعيدا»، ويتفق مع «أرسطو» في قوله: «الأشرار يطيعون خيفة، والصالحون على حب.»
وقد أعد الغزالي نفسه لتلك الرسالة بالتطهر والصفاء والاعتكاف الكامل، كان يتعبد تعبد العاشقين الوالهين.
ثم غادر محاريبه وخلواته ليزاحم الإنسانية في موكبها وليرشدها إلى طريقها. رأى الغزالي الناس يسيرون في مواكب الحياة لا يدرون لماذا هم سائرون، ولا يسألون لماذا يسيرون! شاهد القطيع البشري لا يعرف الراحة، ولا السعادة ولا السلام، ولا يدرك نعمة الاستقرار الكبرى، شاهد دنيا يمزقها التعب والبغضاء، فنادى بمعاني الحياة المقدسة ، وأرشد إلى غاية الوجود العليا، فأذاق المتعبين المجهدين الضالين رحيق الراحة، ونعيم المحبة، وسحر السلام.
| هل للمعرفة طريق باطنية غير الحواس الخمس؟
الكشف الباطني يشغل جانبا ضخما من رسالة الغزالي؛ إذ هو في طليعة رجال الفكر الإسلامي، بل العالمي الذين آمنوا بإلهامات الروح، بل وجعلوا من تلك الإلهامات وسائل وغايات للإرشاد والهداية.