تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت وفاة الإمام الغزالي بطوس يوم الإثنين رابع عشر من جمادى الأخرى سنة خمس وخمسمائة، الموافق ثمانية عشر من ديسمبر سنة ألف ومائة وإحدى عشرة ميلادية، ونقل ابن الجوزي في كتاب الثبات عن أحمد أخي الغزالي أنه قال:

لما كان يوم الإثنين، وقت الصبح، توضأ أخي أبو حامد وصلى، وقال: علي بالكفن. فأخذه وقبله ووضعه على عينيه، وقال: سمعا وطاعة للدخول على الملك. ثم مد رجليه واستقبل القبلة ومات قبل الإسفار.

الشك مقدمة اليقين

تتراوح حياة الغزالي بين فكرتين، لكل منهما أكبر الأثر في دراساته وتوجيهاته، وإلى هاتين الفكرتين ترجع جميع الألوان والصفات المميزة لميراثه الثقافي، وهما الشك والإيمان، فهما مفتاح الوصول إلى تفهم شخصيته وأساليبه وأفكاره.

وقد آمن الغزالي بالشك واعتنقه صراطا علميا، يقول في خاتمة كتابه «ميزان العمل»: «ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث لتنتدب للطب فناهيك به نفعا؛ إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال».

وإذن؛ فالشكوك في مطلع حياة الغزالي كانت طريقه إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال. تلك هي شريعة الغزالي، وهذا هو منهاجه العلمي، وقد درس العلوم التقليدية والفلسفية والمذهبية في هذا الضوء.

وقد سبق الغزالي بجعله الشك مذهبا من مذاهب العلم، وفي إيمانه بأن الشكوك هي طريق الحقائق «ديكارت» و«دافيد هيوم» وهما أئمة هذا المذهب في الفلسفة الأوربية الحديثة، بل لقد أصبح الشك مذهبا من مذاهب العلم المعاصر، بل لونا من ألوان التجديد والابتكار.

ولا ريب في أن شكوك الغزالي قد أفادته فائدة كبرى في دراساته؛ فقد علمته أن يناقش قبل أن يؤمن، وعلمته ألا يقنع بما علم، بل يطلب المزيد أبدا.

وبهذا كان الغزالي يجدد حياته العلمية على فترات متعاقبة، كما دفعه الشك إلى عدم الرهبة من الخرافات المقدسة التي كانت تسبح في كتب عصره، أو التزييفات الدينية المحاطة بجلال وهمي في أذهان العامة، كما علمته عدم الرهبة أيضا حيال الأفكار والمذاهب التي تستند إلى أسماء خلدها الفكر والتاريخ؛ وبهذا نجا من التقليد كما نجا من الخضوع لفلسفة الإغريق.

بل إن هذه الشكوك هي التي أعدته لتلك الوثبة الكبرى إلى سماء الإيمان، وهي التي سهلت عليه عندما حصل اليقين اعتزال الحياة والناس؛ لينعم بمتاع عزيز على الحياة والناس.

وعظمة الغزالي تمت بسبب وثيق إلى هذا الشك؛ فهو الذي حمله على دراساته الكبرى، ومجادلاته العظمى، واشتباكاته المتعددة مع النحل والفرق والمذاهب، فلما حصل عنده اليقين كان يقين القوي الواثق الذي لا يداني ولا يماري.

كما أن هذا الشك كان علامة عقل كبير، لا يؤمن بقيود التقليد، بل يؤمن بنفسه أولا فيجل ما يهدي إليه العقل، ويرفض ما سواه.

ذلك الروح العظيم وذلك العقل الكبير، وهذا الاطلاع الشامل، وهذا الصراع بين العقل والروح، بين المشاعر والأحاسيس المختلفة؛ هو الذي أعد الغزالي لرسالته الخالدة.

فقد خرج الغزالي من هذا الصراع العنيف، وذلك التجاذب بين الدنيا والآخرة طاهرا نقيا كالسبيكة الذهبية تزيدها النار لمعانا وإجلالا، احترق الغزالي فتطهر فكرا وعقلا وقلبا.

كما ظهر تأثير تلك المرحلة واضحا في تكوين آرائه الاجتماعية والخلقية؛ لأنه استطاع أن يدرس في نفسه تقلبات الأهواء وإغراءات اللذة، ونعيم الطاعة ومتع العبادة، وخبر التصادم بين شهوات النفس وميول القلب وأسرار الروح، ولمس نقط الضعف في الإنسان، وعرف كيف تعالج وبأي أسلوب تداوى.

ولما آمن بعد شك كان إيمان الواثق الدارس لا إيمان المستسلم المقلد، فكان إيمانه هو الذي أتاح له تلك القوة الروحية الكبرى التي هيمن بها على عصره وعلى العصور التالية.

الغزالي · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الغزاليص ١٠