تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هؤلاء الأنبياء المذكورين في الآية لم ينزل على أحد منهم كتاب جملة واحدة، ولم يكن ذلك قادحاً في نبوتهم، وآمن اليهود بهم جميعا باستثناء عيسى الذي آمن به قليل منهم، وكذلك الشأن في محمد صلى الله عليه وسلم أنزل عليه كما أنزل عليهم، فلماذا يكفرون به وقد آمنوا بأولئك؟

ولم يكتف الوحي بما ذكر من هؤلاء الرسل، بل أضاف الاستشهاد بغيرهم ممن ذكر في القرآن ومن لم يذكر فقال تعالى:

﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ في ثنايا سور القرآن مثل: هود وصالح وشعيب وزكرياء ويحيى وإلياس واليسع ولوط عليهم السلام ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ لم يذكروا في القرآن للاكتفاء بمن ذُكِروا ممن هم أعظم قدرا وقصصهم أبلغ عبرة.

﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ذكر موسى في آخر الآية تذكيرا به وبما اختصه الله به من تكليم في الأرض، ولم يُذكَر مع الطائفة السابقة في الآية لأن المقصود من تعدادهم أنهم كانوا رسلاً لم يؤت أي منهم كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة، وأنهم كانوا معروفين لدى بني إسرائيل.

ثم بين تعالى مهمة هؤلاء الرسل بقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي مبشرين لأهل الإيمان والعمل الصالح بالجنة ومنذرين لأهل المعصية والكفر بما ينتظرهم من النار.

ووضح الحكمة من إرسالهم فقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ والحجة في هذا السياق هي العذر بعدم إرسال الرسل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الإسراء 15، وقوله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ طه 134، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ القصص 47.

ثم ختم الآية بقوله ﴿وَكَانَ الله عَزِيزاً﴾ لا يغالَب في أمر من أموره، وما طلبه اليهود من الرسول صلى الله عليه وسلم هين في قدرته تعالى، ولكنهم طلبوه على سبيل اللجاج والتعنت وهو تعالى عزيز تقتضي عزته أن لا يجاب المتعنتون. ﴿حَكِيمًا﴾ من حكمته أن يرسل الرسل وينزل الكتب، على اختلاف الأقدار والمقادير والأزمان وتغاير طرق التنزيل وأحكام الشرائع.

إن إرسال الرسل إلى الناس وإنزال الوحي سنة الله في هداية البشر منذ قال الحق سبحانه لآدم عليه السلام ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ البقرة 38، ولئن تعنت اليهود في قبول القرآن الكريم ومضمونُه العقدي هو نفس مضمون الكتب السابقة، ورسولُه مثل الرسل قبله، فإن هذا التعنت والجحود منهم لا ينبغي أن يحزن الرسول صلى الله عليه

تفسير سورة النساء · الصفحة ٣١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة النساءص ٣١٣