تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ وعندما يقول القرآن ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ بنون التعظيم فمعنى ذلك أن الله تعالى يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بصفات عظمته وعلوه وقدرته وربوبيته وألوهيته خطابا تكليفيا لا مجال لمخالفته أو التمرد عليه، أما المنزَّل فهو القرآن الكريم ﴿الْكِتَابَ﴾، وأما الغاية من الإنزال فتزويد المنزَّل إليهم ﴿بِالْحَقِّ﴾ لا بالباطل، بالحق الذي هو المنهج الرباني الكامل الجامع لكل ما يوفر الحياة الرضية النافعة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ التوبة 33، ثم بين مصلحة الناس كافة من هذا الإنزال فقال عز وجل: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي بما علمك الله من أحكام القرآن وما أفاض عليك من فهم وحكمة، وما أرشدك إليه من الحق والعدل بين الناس جميعا سواء كان المتقاضي لديك مسلما أو يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا.

وفي الآية نذارة وبشارة للمسلمين، أما النذارة فهي أن عليهم أن يتدبروا القرآن ليفهموه فهما نيرا، ويحكموا به بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بغاية الرضا والتسليم، وتمام التجرد من أهواء النفس ميلا إلى قوم أو شنآنا لغيرهم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ النساء 65، وقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ الأنعام 152، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ المائدة 8. وأما البشارة فهي إشارته عز وجل إلى أن أمة الإسلام سيمكن لها في الأرض فتدين لحكمها وعدالتها الأمم، وذلك بقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي لتحكم بالعدل بين جميع الناس من مختلف الأديان والأجناس. وهو ما له علاقة بسبب نزول الآية في خصومة بين مسلم من الأنصار وبين يهودي في المدينة، إذ سرق المسلم درعاً فلما طلبت الدرع منه رمى واحداً من اليهود بتلك السرقة، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يجادل عن السارق ويلحق السرقة باليهودي البريء، فأطْلَعَ الله رسولَه على جِليّة الأمر، معجزة له، حتى لا يطمع أحد في أن يروّج على الرسول باطلاً، وأمره ألا يقبل قول السارق وقومه ونزلت الآية، فلما افتضح أمر المسلم ظهر نفاقه وهرب إلى مكةَ مرتدا، ثم نقَبَ بها حائطاً ليسرِقَ أهلَه فسقَط الحائطُ عليه فقتله. لذلك عقب الحق سبحانه على الأمر بتحكيم كتابه وتحقيق عدالته المطلقة في قضايا الناس كلهم بقوله:

﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ أي لا تكن خصيما للخائنين، والخصيم من فعل"خَصِمَ" الرجل "يَخْصَمُ" من باب تعب، إذا أحكم الخصومة والجدل في أمر ما، فهو"خَصِمٌ" و"خَصِيمٌ"، والجمع

تفسير سورة النساء · الصفحة ٢٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة النساءص ٢٤٢