تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد بين عز وجل في هذه الآية الكريمة أدب السلام بقوله: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ) إذا سلم أحد إخوانكم عليكم ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ بأحسن مما سلم به أخوك ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أو ردوا عليه بمثلها لا بأقل منها، ذلك حق المؤمن على المؤمن، وقد جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:"السلام عليك يا رسول الله"، فقال صلى الله عليه وسلم: (وعليكم السلام ورحمة الله)، ثم أتى آخر فقال:"السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله"، فقال صلى الله عليه وسلم: (وعليك السلام ورحمة الله وبركاته)، ثم جاء آخر فقال:" السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته"، فقال صلى الله عليه وسلم له: (وعليك)، فقال له الرجل:"يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما بأكثر مما رددت علي؟ "، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنك لم تدع لنا شيئا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فرددناها عليك).

هذا ما أرشدنا إليه الكتاب والسنة من أدب يؤلف القلوب ويقربها إلى بعضها ويربطها بالمحبة والأخوة، في حالتي السلم والحرب، تحت رعاية الله وعلمه ووعده بوفير الأجر والثواب بقوله عقب ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ أزلا وأبدا ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ مُحْصيا كل شيء في الكون دقيقا كان أو جليلا، ومحاسبا عباده على أعمالهم كلها، وعلى ما أُمروا به من الشرائع المتعلقة بنظامهم العام داخليا وخارجيا، والعمل بمنهج الإسلام المتكامل، بدءا بأعلى هرم النظام الاجتماعي والسياسي والحربي بكلياته وجزئياته، إلى أدق الآداب الفردية تبادلا للتحية وإفشاء للسلام، وتأليفا للقلوب ونشرا للمحبة والتعاون، ورصا للصفوف في حالتي الأمن والخوف، والرخاء والشدة، مجازيا المطيع منهم والعاصي بعدله المطلق الذي لا يبخس حقا ولا ينقص أجرا ولا يظلم أحدا، ثم علل ذلك بقوله دالا على تلازم التوحيد والإيمان باليوم الآخر وعدل الله بقوله:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا معبود بحق إلا هو ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ، مؤكد باللام والنون، تقديره والله ليحشُرَّنكم من قبوركم للحساب يومِ القيامةِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا يتطرق إليه الشك والريب ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ استفهام لإنكار أن يكون أحد أصدق من الله تعالى في حديثه وأخباره. قال مقاتل: "نزلت فيمن شك في البعث، فاقسم الله ليبعثنه". ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر علمه بأحوال الخلق وقدرته على حسابهم عقب تهديداً وتحذيراً من مخالفة أمره بذكر وحدانيته وما كتبه على عباده من البعث والحشر والحساب.

ثم عاد السياق إلى ضرورة وحدة الصف، ليعالج أسباب الاختلاف بين المسلمين حول الموقف من المنافقين والحكم على تصرفاتهم، لا سيما وأن ناساً منهم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في

تفسير سورة النساء · الصفحة ٢٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة النساءص ٢٠٤