في} زمرة ﴿أمم قد خلت من قبلكم﴾ كانت تقول كقولكم ﴿من الجن والإنس في النار﴾ وقدم الجن هنا عن الإنس لأن شياطينهم هم مصدر الضلال والإغواء ﴿كلما دخلت أمة﴾ في النار ﴿لعنت أختها﴾ التي سبقتها وتلقت الضلال عنها بتقليدها ﴿حتى إذا ادّاركوا﴾ أي أدرك بعضهم بعضًا ﴿فيها جميعًا﴾ بمعنى اجتمعوا ﴿قالت أخراهم لأولادهم﴾ أي أخرى الأمم لأولاها مشيرين إليهم ﴿ربنا هؤلاء أضلونا﴾ أي هم الذين كانوا سبب ضلالنا فقد ظنناهم على حق فقلدناهم ولولا ذلك لما ضللنا ﴿فآتهم عذابًا ضعفًا من النار﴾ أي اغلظ العذاب عليهم أكثر منا واجعله ضعف عذابنا ﴿قال﴾ الله ﴿لكل﴾ منكم ﴿ضعف﴾ باعتبار أن كل أمة ضلت وأضلت في وقت واحد ﴿ولكن لا تعلمون﴾ أن طلبكم مضاعفة العذاب على من سبقكم لإضلالكم إنما هو اعتراف منكم باستحقاقكم مضاعفة العذاب لأنكم أضليتم من جاء بعدكم ﴿وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل﴾ حتى تطلبوا به أن يكون عذابكم دون عذابنا فقد أضللتم من جاء بعدكم فالذنب واحد وقد اعترفتم به ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون﴾ أي بسبب ما كنتم تقترفونه من ضلال وإضلال لم نكرهكم عليه بل فعلتموه باختياركم كما فعلناه باختيارنا، وهنا أخبرنا الله بالفصل في هذا الموضوع ليعلم به الناس منذ الآن فقال ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها﴾ أي غير المؤمنين من الذين جاء ذكرهم في أول الآية السابقة وقال تعالى إنهم أصحاب النار هم فيها خالدون ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ أي لا تقبل منهم الأعمال الصالحة مهما بلغت ﴿ولا يدخلون الجنة﴾ في الآخرة ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ أي حتى يدخل الجمل وهو الحيوان الكبير وهو محتفظ على كبره في ثقب الإبرة التي هي من الجمادات على صغرها وهذا مستحيل عقلًا وعادة وينافي سنن الله في الخلق ﴿وكذلك﴾ أي مثل هذا الجزاء ﴿نجزي المجرمين﴾ الذين اتصفوا بالإدمان على حب الإجرام حتى الممات دون أن تتخلل حياتهم توبة ورجوع إلى الله ﴿لهم من جهنم مهاد﴾ أي فراش ﴿وهو فوقهم غواش﴾ جمع غائشة وهي ما يغشى الشيء أي يغطيه ويستره بمعنى أن النار بساطهم وغطاؤهم وجهنم مطبقة عليهم ﴿وكذلك﴾ أي بمثل هذا الجزاء ﴿نجزي الظالمين﴾ لأنفسهم وللناس أي الذين اتصفوا بصفة الإدمان في الظلم فلم يكفّوا عنه مدة حياتهم حتى موتهم ﴿والذين آمنوا﴾ بالله وآياته ﴿وعملوا الصالحات﴾ التي دعتهم إليها الرسل ولا يقصد بعمل الصالحات الإتيان بها دائمًا وعلى أكمل وجه بل ما لا عسر فيه فإن من دستورنا أن ﴿لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾ فمتى عملوا من الصالحات ما لا يعسر
تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٨٤١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير الخطيب المكيص ٨٤١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي