تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتي تركتم مواقعكم من أجلها ﴿ولا ما أصابكم﴾ من القتل والخسارة بحيث أصبحتم تعدون نجاتكم أكبر غنيمة حصلتم عليها ﴿والله خبير بما تعملون﴾ فلا تحاولوا الاعتذار عما صدر منكم وما كان بنفوسكم فالعبرة بما في علمه تعالى لا بما تتعللون به ﴿ثم أنزل عليكم﴾ الله فضلاً منه وإحسانًا ﴿من بعد﴾ ذلك ﴿الغم﴾ الذي كنتم فيه ﴿أمنة﴾ طمأنينة في النفس نتيجة الشعور بالخطأ والتسليم لله والأمل في عفوه والثقة بنصره فسبب الله لكم ﴿نعاسا﴾ تستردون به بعض ما فقدتم من قوة، والنعاس للمصاب بمثل تلك المصائب نعمة من أجل النعم ولطف من الله خفي ﴿يغشى﴾ ذلك النعاس ﴿طائفة منكم﴾ هي التي تنعم بقوة الإيمان وكمال التسليم لله وتقدير نعمه ﴿وطائفة﴾ أخرى ضعيفة الإيمان ﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾ وأخذوا بحبها فهم يحاولون أن يدافعوا عنها ويبرروا موقفها إلى حد ﴿يظنون﴾ معه ﴿بالله غير الحق﴾ فيقولون في سرهم إن الله هو الذي شاء لنا هذه الهزيمة والإنكسار مع أنه لا دليل لديهم على ذلك، بل الواقع أنهم مأمورون باتباع الرسول وقد أمرهم عليه الصلاة والسلام بعدم ترك أماكنهم وضمن لهم النصر ولو أطاعوه لنالوا النصر الموعود، وما كانت الهزيمة إلا بسبب فشلهم وتنازعهم وعصيانهم غير أنهم يتجاهلون هذه الحقيقة الثابتة ويعزونها إلى ما لا علم لهم به فيقولون إن الله هو الذي شاء لنا الهزيمة، وما ذلك الظن منهم إلا ﴿ظن الجاهلية﴾ الذي قرره المشركون بقولهم ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء﴾ والحقيقة أن هناك فارقًا بين المشيئة والإرادة، فالمشيئة معناها الأمر بحصول الشيء، وهذا يقتضي حصوله لا محالة، ولذلك رد الله جل وعلا على قول المشركين هذا بقوله: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ أي من أين لكم بأن الله لم يشأ هدايتكم حتى تحتجون بذلك – انظر بحث القضاء والقدر في كتابي أسمى الرسالات.

أما الإرادة فمعناها الحب والرغبة وهي لا تقتضي وجود المراد لا محالة وإرادة الله سر من أسراره الخفية التي لا يعلم بها أحد سواه وهي تتعلق بما يحبه الله لعباده وما يرضاه منهم من عمل صالح فصله لهم وأرشدهم إلى سبيله في كتبه وعن طريق رسله ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ ومعلوم أن العسر أمر لا يخلو منه الإنسان عادة مع أن الله تعالى قال إنه لا يريده بهم.

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ٧٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ٧٠٦