تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكم عدو بئس للظالمين بدلاً} ويسمون بالشياطين لما جبلوا عليه من الأذى ومن طبعهم أن يندسوا في النفوس ويوسوسوا لها الشر ويحبّبوا إليها فعل السيئات وقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «إن للشيطان لُمّة بابن آدم وللملك لُمّة فأما لُمّة الشيطان فإيعاز بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاز بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله على ذلك ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾» وقال أيضاً: «إن الشيطان ليجري من الإنسان مجرى الدم»؛ ومن أجل هذا يطلق على كل من يزين للإنسان فعل الشر من بني الإنسان (شياطين الإنس).

ومن الجن ما هو ليس بملك ولا هو من نسل إبليس فلا يكون شيطاناً وقد وصفهم بأنهم عالم كعالم الإنسان لهم نفوس كنفوس البشر وأنهم محل الطاعة والعصيان يسمعون أحاديث الناس ويأخذون بأقوالهم وأقوال أنبيائهم وقد يعملون بمواعظهم إذ يقول تعالى: ﴿قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً﴾ وقوله عن لسانهم: ﴿وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا﴾: ﴿وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾.

ومن هؤلاء من هو شديد الدهاء والمكر ويسمون (العفاريت) إذ يقول تعالى في كتابه: ﴿قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين﴾.

والقرآن مليء بذكر أخبار الملائكة والشياطين ونماذج من تصرفاتها في هذه الحياة ووسائل تأثيرهما في النفوس مما لا يستطيع العقل البشري أن يجحد أثر كل ذلك في حياته العملية فكلما يشعر بهذه العوامل النفسية تتجاذبه لا يمكن أن ينكر وجودها ولكنه لا يعلم حقيقتها وقد يسميها بعض الناس قوى طبيعية أو ناموساً فطريًّا والمؤمن يسميها ملكاً أو شيطاناً كما أخبره الله بذلك وليسمها من شاء كما شاء فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن التسليم بوجود المسميات. وقد أخبرنا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أن الجن أنواع منها ما هو من الحشرات وخشاش الأرض، وأن منها ما يكون سبباً لنشر وباء الطاعون حيث قال: «الطاعون وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة» فلم تستطع القول أن تهضم هذه الحقيقة وعدها بعضهم من باب الخرافات ثم أثبت العلم أن هناك أنواعاً كثيرة من المخلوقات الخفية التي لا يمكن أن

تفسير الخطيب المكي · الصفحة ١٧٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الخطيب المكيص ١٧٥٨