يَدْعون من دون اللهِ فيَسُبُّوا اللهِ عَدْواً بغير علم، وقرئ: عُدُوّاً مثل جُلُوس؛ قال المفسرون: نُهُوا قبل أَن أَذِن لهم في قتال المشركين أَن يَلْعَنُوا الأَصْنامَ التي عَبَدوها، وقوله: فيَسُبُّوا الله عَدْواً بغير علم؛ أَي فيسبوا الله عُدْواناً وظُلْماً، وعَدْواً منصوب على المصدر وعلى إرادة اللام، لأَن المعنى فيَعْدُون عَدْواً أَي يظْلِمون ظلماً، ويكون مَفْعولا ًله أَي فيسُبُّوا الله للظلم، ومن قرأَ فيَسُبُّوا الله عُدُوّاً فهو بمعنى عَدْواً أَيضاً. يقال في الظُّلْم: قد عدا فلا عَدْواً وعُدُوّاً وعُدْواناً وعَدَاءً أَي ظلم ظلماً جاوز فيه القَدْر، وقرئ: فيَسُبُّوا الله عَدُوّاً، بفتح العين وهو ههنا في معنى جماعة، كأَنه قال فيسُبُّوا الله أَعداء، وعَدُوّا منصوب على الحال في هذا القول ..
وجاء في صحيح البخاري:
حدثني محمد بن بشار: حدثنا غندر: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، واليهود تصوم عاشوراء، فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: (أنتم أحق بموسى منهم، فصوموا) ..
((أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (91).)) .. الفسادُ: نقيض الصلاح، فَسَدَ يَفْسُدُ ويَفْسِدُ وفَسُدَ فَساداً وفُسُوداً، فهو فاسدٌ وفَسِيدٌ فيهما، ولا يقال انْفَسَد وأَفْسَدْتُه أَنا. وقوله تعالى: ويَسْعَوْنَ في الأَرض فساداً؛ نصب فساداً لأَنه مفعول له أَراد يَسْعَوْن في الأَرض للفساد ..
((فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92).)) .. لما غرق فرعون لم يصدق الناس .. فأخرجه الله عز وجل الى البر وقذف بجثته على مرتفع من الأرض .. ليروا قدرة الله سبحانه وتعالى وصدق وعده .. ((لِمَنْ خَلْفَكَ)): وقرئ لمن خلًفك .. بفتح اللام .. أي لمن يأتي بعدك من الحكام .. تكون لهم دليلا على صدق الله الصادق الوعد .. المنتقم الجبار ..
((وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93).)) .. وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ: والتبوُّؤُ: أَن يُعْلِمَ الرجلُ الرجلَ على المَكان إِذا أَعجبه لينزله. وقيل: تَبَوَّأَه: أَصْلَحه وهَيَّأَه. وقيل: تَبوَّأَ فلان مَنْزِلاً: إِذا نظَر إِلى أَسْهَلِ ما يُرى وأَشَدِّه اسْتِواءً وأَمْكَنِه لِمَبيتِهِ، فاتَّخذَه؛ وتَبوَّأَ: نزل وأَقام، والمَعْنَيانِ قَريبان. والمباءة: مَعْطِنُ القَوْمِ للابِل، حيث تُناخُ في المَوارِد. وفي الحديث: قال له رجل: أُصَلِّي في مَباءة الغَنَم؟ قال: نَعَمْ، أَي مَنْزِلها الذي تَأْوِي إليه، وهو المُتَبَوّأُ أَيضاً. وفي الحديث أَنه قال: في المدينة ههُنا المُتَبَوَّأُ. وأَباءَه مَنْزِلاً وبَوَّأَه إِيَّاهُ وبَوَّأَه له وبَوَّأَهُ فيه، بمعنى هَيَّأَه له وأَنْزَلَه ومَكَّنَ له فيه. قال: وبُوِّئَتْ في صَمِيمِ مَعْشَرِها، * وتَمَّ، في قَوْمِها، مُبَوَّؤُها أَي نَزَلَت من الكَرم في صَمِيمِ النَّسب. والاسم البِيئةُ. واسْتَباءه أَي اتَّخَذَهُ مَباءة. وتَبَوَّأْتُ منزلاً أَي نَزَلْتُه. وقوله تعالى: والذِين تَبَوَّأُوا الدارَ والإِيمانَ، جَعلَ الإِيمانَ مَحَلاًّ لهم على المَثَل .. ((حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ)): علم علما: أدركه بحقيقته وكنهه ..
((فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ (94).)) .. فَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ: وما رَيْتُ الرجلَ أُماريه مِراءً إِذا جادلته. والمِرْيةُ والمُرْيةُ: الشَّكُّ والجدَل، بالكسر والضم، وقرئ َبهما قوله عز وجل: فلا تَكُ في مِرْية ٍمنه؛ قال ثعلب: هما لغتان، قال: وأَما مِرْيةُ الناقة فليس فيه إِلا الكسر، والضم غلط. قال ابن بري: يعني
مَسْحَ الضَّرْعِ لتَدُرَّ الناقةُ .. والامْتِراءُ في الشيءِ: الشَّكُّ فيه، وكذلك التَّماري. والمِراءُ: المُماراةُ والجدَل، والمِراءُ أَيضاً: من الامْتِراءِ والشكِّ. وفي التنزيل العزيز: فلا تُمارِ فيهم إِلاَّ مِراءً ظاهراً ..
((وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنْ الْخَاسِرِينَ (95).)) .. خِسِرَ خَسْراً وخَسَراً وخُسْراناً وخَسَارَةً وخَسَاراً، فهو خاسِر وخَسِرٌ، كله: ضَلَّ. والخَسَار والخَسارة والخَيْسَرَى: الضلال والهلاك، والياء فيه زائدة. وفي التنزيل العزيز: والعصرِ إِن الإِنسان لفي خُسْر؛ الفراء: لفي عقوبة بذنبه وأَن يَخْسَر أَهله ومنزله في الجنة. وقال عز وجل: خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هو الخُسْران المبين ..
((إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (97).)) .. حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ: حق الأمر حقا: ثبت ووجب ..
((فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) ... )) .. فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ: والمعنى: أنه لم تؤمن قرية إلا قرية