((فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53).)) ..
يُسَارِعُونَ فِيهِم: وسارعَ إِلى الأَمر: كأَسْرَعَ. وسارَعَ إِلى كذا وتَسَرَّع إِليه بمعنًى. وجاء سرَعاً أَي سَريعاً. والمُسارَعةُ إِلى الشيء: المُبادَرَةُ إِليه ..
نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ: ودَارَتْ عليه الدَّوائِرُ أَي نزلت به الدواهي. والدائرة: الهزيمة والسوء. يقال: عليهم دائرة السوء. وفي الحديث: فيجعل الدائرة عليهم أَي الدَّوْلَة بالغلبة والنصر. وقوله عز وجل: ويَتَرَبَّصُ بكم الدوائر؛ قيل: الموت أَو القتل.
أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ: يعني فتح مكة .. أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ: أي نصرة المؤمنين على الكافرين والمنافقين بحيث يصبح الكفار يؤدون الجزية للمسلمين الذين يستخلفهم الله في اَلأرض ..
((وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53).)) ..
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ: وحَبِطَت الإِبلُ تَحْبَطُ. قال الجوهري: الحَبَطُ أَن تأْكل الماشية فتُكْثِرَ حتى تَنْتَفِخَ لذلك بطونُها ولا يخرج عنها ما فيها. وحَبِطتِ الشاة، بالكسر، حَبَطاً: انتفخ بطنها عن أَكل الذُّرَقِ، وهو الحَنْدَقُوقُ .. الأَزهري: حَبِطَ بطنُه إِذا انتفخ يحبَطُ حَبَطاً، فهو حَبِطٌ. وفي الحديث: وإِنَّ ممّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطاً أَو يُلِمُّ، وذلك الدَّاء الحُباطُ، قال: ورواه بعضهم بالخاء المعجمة من التَّخَبُّط ِ، وهو الاضْطِرابُ. قال الأَزهريّ: وأَما قول النبي، صلّى اللّه عليه وسلّم: وإِنَّ مما يُنبِت الربيعُ ما يقْتُلُ حَبَطاً أَو يُلمّ، فإِن أَبا عبيد فسر الحَبَطَ وترك من تفسير هذا الحديث أَشياء لا يَستغْني أَهلُ العلم ِعن مَعْرِفتها، فذكرت الحديث على وجهه لأُفَسِّر منه كلَّ ما يحتاجُ من تفسيره، فقال وذَكره سنده إِلى أَبي سعيد الخدري انه قال: جلس رسولُ اللّه، صلّى اللّه عليه وسلّم، على المِنْبر وجَلسنا حولَه فقال: إِني أَخاف عليكم بَعْدِي ما يُفْتَحُ عليكم من زَهرةِ الدنيا وزِينتِها، قال: فقال رجل أَوَيَأْتي الخيرُ بالشرّ يا رسول اللّه؟ قال: فسكت عنه رسولُ اللّه، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ورأَيْنا أَنه يُنْزَلُ عليه فأَفاقَ يَمْسَحُ عنه الرُّحضاء وقال: أَين هذا السائلُ؟ وكأَنه حَمِدَه؛ فقال: إِنه لا يأْتي الخيرُ بالشرّ، وإِنَّ مما يُنبِت الربيعُ ما يَقتل حبَطاً أَو يُلمّ إِلاّ آكِلةَ الخَضِر، فإِنها أَكلت حتى إِذا امتلأَت خاصرتاها استَقْبَلَتْ عينَ الشمسِ فثَلَطَتْ وبالَتْ ثم رتَعَتْ، وإِن هذا المال خَضِرة ٌحُلوةٌ، ونِعْم صاحبُ المُسْلمِ هو لمن أَعْطى المِسْكينَ واليتيمَ وابنَ السبيلِ؛ أَو كما قال رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: وإِنه مَن يأْخذه بغير حقه فهو كالآكل الذي لا يشبع ويكون عليه شهيداً يوم القيامة ..
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54).)) ..
مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ: وقد ارتدَّ وارتدَّ عنه: تحوّل. وفي التنزيل: من يرتدد منكم عن دينه؛
والاسم الرِّدّة، ومنه الردَّة عن الإِسلام أَي الرجوع عنه. وارتدَّ فلان عن دينه إِذا كفر بعد إِسلامه. وردَّ عليه الشيء إِذا لم يقبله، وكذلك إِذا خَطَّأَه. وتقول: رَدَّه إِلى منزله ورَدَّ إِليه جواباً أَي رجع. والرِّدّة، بالكسر: مصدر قولك ردَّه يَرُدُّه رَدّاً ورِدَّة. والرِّدَّةُ: الاسم من الارتداد. وفي حديث القيامة والحوض فيقال: إِنهم لم يزالوا مُرْتَدِّين على أَعقابهم أَي متخلفين عن بعض الواجبات. قال: ولم يُرِدْ رِدَّةَ الكفر ولهذا قيده بأَعقابهم لأَنه لم يَرْتَدَّ أَحد من الصحابة بعده، إِنما ارتد قوم من جُفاة الأَعراب .. وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ: في أَسْمائِه سبحانه وتعالى الواسِعُ: هو الذي وَسِع َرِزْقُه جميعَ خَلْقِه ووَسِعتْ رحمتُه كل شيء وغِناه كل فَقْرٍ. وقال ابن الأَنباري: الواسع من أَسماءِ الله الكثيرُ العطاءِ الذي يَسَعُ لما يُسْأَلُ، قال: وهذا قول أَبي عبيدة. ويقال: الواسِعُ المُحِيطُ بكل شيء من قوله وَسِعَ كل شيءٍ عِلْماً ..
((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55).)) .. إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ... الولي هو المحب والنصير والحليف .. وَهُمْ رَاكِعُونَ: فالرّاكِعُ: المنحني في قول لبيد. وكلُّ شيء يَنْكَبُّ لوجهه فَتَمسّ ُركبتُه الأَرضَ أَو لا تمسها بعد أَن يخفض رأْسه، فهو