تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ .. )) .. العَنَتُ: دُخُولُ المَشَقَّةِ على الإِنسان، ولقاءُ الشدَّةِ؛ يقال: أَعْنَتَ فلانٌ فلاناً إِعناتاً إِذا أَدْخَل عليه عَنَتاً أَي مَشَقَّةً. وفي الحديث: الباغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ؛ قال ابن الأَثير: العَنَتُ المَشَقَّةُ، والفساد، والهلاكُ، والإِثم، والغَلَطُ، والخَطَأُ، والزنا: كلُّ ذلك قد جاء، وأُطْلِقَ العَنَتُ عليه، والحديثُ يَحْتَمِلُ كلَّها؛ والبُرَآء جمع بَريءٍ، وهو والعَنَتُ منصوبان مفعولان للباغين؛ يقال: بَغَيْتُ فلاناً خيراً، وبَغَيْتُك الشيءَ: طلبتُه لك، وبَغَيتُ الشيءَ: طَلَبْتُه؛ ومنه الحديث: فيُعنِتُوا عليكم دينَكم أَي يُدْخِلوا عليكم الضَّرَر في دينكم؛ والحديث الآخر: حتى تُعْنِتَه أَي تشُقَّ عليه. وفي الحديث: أَيُّما طَبيب تَطَبَّبَ، ولم يَعْرفْ بالطِّبِّ فأَعْنَتَ، فهو ضامِنٌ؛ أَي أَضَرَّ المريضَ وأَفسده. وأَعْنَتَه وتَعَنَّته تَعَنُّتاً: سأَله عن شيء أَراد به اللَّبْسَ عليه والمَشَقَّةَ. وفي حديث عمر: أَرَدْتَ أَن تُعْنِتَني أَي تَطْلُبَ عَنَتِي، وتُسْقِطَني. والعَنَتُ. الهَلاكُ. وأَعْنَتَه أَوْقَعَه في الهَلَكة؛ وقوله عز وجل: واعْلَمُوا أَن فيكم رسولَ الله، لو يُطِيعُكم في كثير من الأَمرِ لَعَنِتُّم؛ أَي لو أَطاعَ مثلَ المُخْبِرِ الذي أَخْبَره بما لا أَصلَ له، وقد كانَ سَعَى بقوم من العرب إِلى النبي، صلى الله عليه وسلم، أَمنهم ارْتَدُّوا، لوقَعْتُم في عَنَتٍ أَي في فَساد وهلاك. وهو قول الله، عز وجل: يا أَيها الذين آمنوا، إِنْ جاءكم فاسقٌ بنَبإٍ فَتَبَيَنُوا أَن تُصِيبُوا قوماً بجهالة، فتُصْبِحوا على ما فَعَلْتُم نادمين، واعْلَمُوا أَن فيكم رسولَ الله، لو يُطيعُكم في كثير من الأَمر لَعَنِتُّم .. حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ: أي يحرص على مصلحتكم وعلى أن تدخلوا الجنة .. وبالتالي يحرص على هدايتكم .. وفق نهج الإسلام الحنيف .. دين الرحمة والتسامح .. والعدل والإعتدال .. الرأْفة: الرحمة، وقيل: أَشد الرحمة؛ رَأَفَ به يَرْأَفُ ورئِفَ ورَؤُفَ رَأْفَةً ورَآفةً. وفي التنزيل العزيز: ولا تأْخُذْكُم بهما رأْفة في دِينِ اللّه؛ قال الفراء: الرأْفةُ والرآفةُ مثل الكأَْبةِ والكآبة، وقال الزجاج: أَي لا ترحموهما فَتُسْقِطوا عنهما ما أَمَر اللّه به من الحدّ. ومن صفات اللّه عز وجل الرؤوف وهو الرحيمُ لعباده العَطُوفُ عليهم بأَلطافه. والرأْفةُ أَخصُّ من الرحمةِ وأَرَقُّ، وفيه لغتان قرئ بهما معاً: رَؤوفٌ على فَعُولٍ؛ قال كعب بن مالك الأَنصاري: نُطِيعُ نَبيَّنا ونُطِيعُ رَبّاً، هو الرحمنُ كان بِنا رَؤوفا ورؤُفٌ على فَعُلٍ؛ قال جرير: يَرىَ لِلْمُسلِمِينَ عليه حَقّاً، كفِعْلِ الوالِدِ الرؤُفِ الرحيم ِوقد رَأَفَ يَرْأَفُ إذا رَحِمَ. والرَّأْفَةُ أَرَقُّ من الرحمة ولا تَكاد تقع في الكراهة، والرحمةُ قد تقع في الكراهة للمَصْلحةِ. أَبو زيد: يقال رَؤُفْتُ بالرجل أَرؤُفُ به رَأْفَةً ورآفةً ورأَفْتُ أَرْأَف به ورئِفْتُ به رأَفاً كلٌّ من كلام العرب ..

((فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)./.)) .. الحسب: الكفاية .. ويقال: أَحْسَبَني ما أَعْطاني أَي كفاني. ومررت برجلٍ حَسْبِكَ من رَجلٍ أَي كافِيكَ، لا يُثَنَّى ولا يُجْمع لأَنه موضوع موضع المصدر؛ وقالوا: هذا عربي حِسْبةً، انتصب لأَنه حال وقع فيه الأَمر، كما انتصب دِنْياً، في قولك: هو ابن عَمِّي دِنْياً، كأَنك قلت: هذا عرَبي اكْتِفاءً، وإِن لم يُتكلم بذلك؛ وتقول: هذا رَجُل حَسْبُكَ من رَجُل، وهو مَدْحٌ للنكرة، لأَن فيه تأْويل فِعْل، كأَنه قال: مُحْسِبٌ لك أَي كافٍ لك من غيره، يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية، لأَنه مصدر؛ وتقول في المعرفة: هذا عبدُاللّه حَسْبَك من رجل، فتنصب حَسْبَك على الحال، وإِن أَردت الفعل في حَسْبك، قلت: مررت برجل أَحْسَبَكَ من رجل، وبرجلين أَحْسَباك، وبرِجال أَحْسَبُوكَ، ولك أَن تتكلم بحَسْبُ مُفردةً، تقول: رأَيت زيداً حَسْبُ يا فتَى، كأَنك قلت: حَسْبِي أَو حَسْبُكَ، فأَضمرت هذا فلذلك لم تنوِّن، لأَنك أَردت الإِضافة، كما تقول: جاءَني زيد ليس غير، تريد ليس غيره عندي. وأَحْسَبَني الشيءُ: كفاني .. وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ: الرَّبُّ: هو اللّه عزّ وجل، هو رَبُّ كلِّ شيءٍ أَي مالكُه، وله الرُّبوبيَّة على جميع الخَلْق، لا شريك له، وهو رَبُّ الأَرْبابِ، ومالِكُ المُلوكِ والأَمْلاكِ. ولا يقال الربُّ في غَير اللّهِ، إِلاّ بالإِضافةِ، قال: ويقال الرَّبُّ، بالأَلِف واللام، لغيرِ اللّهِ؛ وقد قالوه في الجاهلية للمَلِكِ .. قال: الرَّبُّ يُطْلَق في اللغة على المالكِ، والسَّيِّدِ، والمُدَبِّر، والمُرَبِّي، والقَيِّمِ، والمُنْعِمِ؛ قال: ولا يُطلَق غيرَ مُضافٍ إِلاّ على اللّه، عزّ وجلّ، وإِذا أُطْلِق على غيرِه أُضِيفَ، فقيلَ: ربُّ كذا. قال: وقد جاءَ في الشِّعْر مُطْلَقاً على غيرِ اللّه تعالى، وليس بالكثيرِ، ولم يُذْكَر في غير الشِّعْر. قال: وأَراد به في هذا الحديثِ المَوْلَى أَو السَّيِّد، يعني أَن الأَمَةَ تَلِدُ لسيِّدها ولَداً، فيكون كالمَوْلى لها، لأَنَّه في الحَسَب كأَبيه. أَراد: أَنَّ السَّبْي يَكْثُر، والنِّعْمة تظْهَر في الناس، فتكثُر السَّراري. وفي حديث إِجابةِ المُؤَذِّنِ: اللهُمَّ رَبَّ هذه الدعوةِ أَي صاحِبَها؛ وقيل: المتَمِّمَ لَها، والزائدَ في أَهلها والعملِ بها، والإِجابة لها. وفي حديث أَبي هريرة، رضي اللّه عنه: لا يَقُل المَمْلُوكُ لسَيِّده: ربِّي؛ كَرِهَ أَن يجعل مالكه رَبّاً له، لمُشاركَةِ اللّه في الرُّبُوبيةِ؛ فأَما قوله تعالى: اذْكُرْني عند ربك؛

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ٦٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ٦٧٧