((وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124).)) .. وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ: والسُّورَةُ: المنزلة، والجمع سُوَرٌ وسُوْرٌ، الأَخيرة عن كراع، والسُّورَةُ من البناء: ما حَسُنَ وطال. الجوهري: والسُّوْرُ جمع سُورَة مثل بُسْرَة وبُسْرٍ، وهي كل منزلة من البناء؛ ومنه سُورَةُ القرآن لأَنها منزلةٌ بعد منزلة مقطوعةٌ عن الأُخرى والجمع سُوَرٌ بفتح الواو .. قال: ويجوز أَن يجمع على سُوْرَاتٍ وسُوَرَاتٍ. ابن سيده: سميت السُّورَةُ من القرآن سُورَةً لأَنها دَرَجَةٌ إِلى غيرها، ومن همزها جعلها بمعنى بقية من القرآن وقِطْعَة، وأَكثر القراء على ترك الهمزة فيها؛ وقيل: السُّورَةُ من القرآن يجوز أَن تكون من سُؤْرَةِ المال، ترك همزه لما كثر في الكلام؛ التهذيب: وأَما أَبو عبيدة فإِنه زعم أَنه مشتق من سُورة البناء، وأَن السُّورَةَ عِرْقٌ من أَعراق الحائط، ويجمع سُوْراً، وكذلك الصُّورَةُ تُجْمَعُ صُوْراً؛ واحتج أَبو عبيدة بقوله: سِرْتُ إِليه في أَعالي السُّوْر وروى الأَزهري بسنده عن أَبي الهيثم أَنه ردّ على أَبي عبيدة قوله وقال: إِنما تجمع فُعْلَةٌ على فُعْلٍ بسكون العين إِذا سبق الجمعَ الواحِدُ مثل صُوفَةٍ وصُوفٍ، وسُوْرَةُ البناء وسُوْرُهُ، فالسُّورُ جمع سبق وُحْدَانَه في هذا الموضع؛ قال الله عز وجل: فضرب بينهم بسُورٍ له بابٌ باطِنُهُ فيه الرحمةُ؛ قال: والسُّور عند العرب حائط المدينة، وهو أَشرف الحيطان، وشبه الله تعالى الحائط الذي حجز بين أَهل النار وأَهل الجنة بأَشرف حائط عرفناه في الدنيا، وهو اسم واحد لشيء واحد، إِلا أَنا إِذا أَردنا أَن نعرِّف العِرْقَ منه قلنا سُورَةٌ كما نقول التمر، وهو اسم جامع للجنس، فإِذا أَردنا معرفة الواحدة من التمر قلنا تمرة، وكلُّ منزلة رفيعة فهي سُورَةٌ مأْخوذة من سُورَةِ البناء؛ وأَنشد للنابغة: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَعطاكَ سُورَةً، تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ؟ معناه: أَعطاك رفعة وشرفاً ومنزلة، وجمعها سُوْرٌ أَي رِفَعٌ. قال: وأَما سُورَةُ القرآن فإِنَّ الله، جل ثناؤه، جعلها سُوَراً مثل غُرْفَةٍ وغُرَفٍ ورُتْبَةٍ ورُتَبٍ وزُلْفَةٍ وزُلَفٍ، فدل على أَنه لم يجعلها من سور البناء لأَنها لو كانت من سور البناء لقال: فأْتُوا بِعَشْرِ سُوْرٍ مثله، ولم يقل: بعشر سُوَرٍ، والقراء مجتمعون على سُوَرٍ، وكذلك اجتمعوا على قراءة سُوْرٍ في قوله: فضرب بينهم بسور، ولم يقرأْ أَحد: بِسُوَرٍ، فدل ذلك على تميز سُورَةٍ من سُوَرِ القرآن عن سُورَةٍ من سُوْرِ البناء. أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا: آمن به إيمانا: صدقه وثق به .. الإيمان: التصديق ضد التكذيب .. وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ: بشره: فرحه .. البشرى: الخبر المفرح .. وفي حديث عبدالله: مَنْ أَحَبَّ القُرْآنَ فَليَبْشَرْ أَي فَلْيَفْرَحْ ولَيُسَرَّ؛ أَراد أَن محبة القرآن دليل على محض الإِيمان من بَشِرَ يَبْشَرُ، بالفتح، ومن رواه بالضم، فهو من بَشَرْتُ الأَديم أَبْشُرُه إِذا أَخذت باطنه بالشَّفْرَةِ، فيكون معناه فَلْيُضَمِّرْ نفسه للقرآن فإِن الاستكثار من الطعام ينسيه القرآن .. والاسم البُشْرى. وقوله تعالى: لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ فيه ثلاثة أَقوال: أَحدها أَن بُشْراهم في الدنيا ما بُشِّرُوا به من الثواب، قال الله تعالى: ويُبَشِّرَ المؤمنين؛ وبُشْراهُمْ في الآخرة الجنة، وقيل بُشْراهم في الدنيا الرؤْيا الصالحة يَراها المؤْمن في منامه أَو تُرَى له، وقيل معناه بُشْراهم في الدنيا أَن الرجل منهم لا تخرج روحه من جسده حتى يرى موضعه من الجنة؛ قال الله تعالى: إِنَّ الذين قالوا رَبُّنا اللهُ ثم استقاموا تَتَنَزَّلُ عليهم الملائكةُ أَن لا تخافوا ولا تحزنوا وأَبْشِرُوا بالجنةِ التي كنتم توعدون. الجوهري: بَشَرْتُ الرجلَ أَبْشُرُه، بالضم، بَشْراً وبُشُوراً من البُشْرَى، وكذلك الإِبشارُ والتَّبْشِيرُ ثلاثُ لغات، والاسم البِشارَةُ والبُشارَةُ، بالكشر والضم. يقال: بَشَرْتُه بمولود فَأَبْشَرَ إِبْشاراً أَي سُرَّ. وتقول: أَبْشِرْ بخير ..
((وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125).)) .. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أي المنافقون .. فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ: والرِّجْسُ في القرآن: العذاب كالرِّجْز. وجاء في دعاء الوتر: وأَنْزِلْ عليهم رِجْسَك وعذابك؛ قال أَبو منصور: الرجس ههنا بمعنى الرجز، وهو العذاب، قلبت الزاي سيناً، كما قيل الأَسد والأَزد. وقال الفراء في قوله تعالى: ويَجْعَلُ الرِّجْسَ على الذين لا يعقلون؛ إِنه العقاب والغضب، وهو مضارع لقوله الرجز، قال: ولعلها لغتان. وقال ابن الكلبي في قوله تعالى: فإِنه رِجْسٌ؛ الرجس: المَأْتَمُ، وقال مجاهد كذلك يجعل اللَّه الرجس، قال: ما لا خير فيه، قال أَبو جعفر: إِنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرِّجْسَ أَهلَ البيت ويُطَهِّرَكم، قال: الرجل الشك. ابن الأَعرابي: مرَّ بنا جماعى رَجِسُون نَجِسُون أَي كفار. وفي التنزيل العزيز: إِنما الخمر والميسر والأَنصابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه؛ قال الزجاج: الرِّجْسُ في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل فبالغ اللَّه تعالى في ذم