وقوله تعالى: أَيحسب أَنَّ ماله أَخلده؛ أَي يعمل عمل من لا يظن مع يساره أَنه يموت، والخُلْد: اسم من أَسماءِ الجنة؛ وفي التهذيب: من أَسماءِ الجنان؛ وخَلَد بالمكان يَخْلُد خُلوداً، وأَخْلَد: أَقام، وهو من ذلك .. وهو ما يؤكد من ذهبنا إلينا من أن اسكنى في قله تعالى ((اسكن أنت وزوجك الجنة)) لم تكن دائمة بل مؤقتة بسبب الإبتلاء الذي أراده الله سبحانه وتعالى ..
((وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ (21).)) .. وقاسَمَه: حلَف له. وتَقاسمَ القومُ: تحالفوا. وفي التنزيل: قالوا تَقاسَمُوا بالله .. وأَقْسَمْت: حلفت، وأَصله من القَسامة. ابن عرفة في قوله تعالى: كما أَنزلنا على المُقْتَسِمين؛ هم الذين تَقاسَمُوا وتَحالَفُوا على كَيْدِ الرسول، صلى الله عليه وسلم؛ قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى الذين جعلوا القرآن عِضِينَ آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وقاسَمَهما أَي حلَفَ لهما ..
((فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22).)) .. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ: ودَلَّ إِذا افتخر. والدَّلّة: المِنّة. قال ابن الأَعرابي: دَلَّ يَدِلُّ إِذا هَدى، ودَلَّ يَدِلُّ إِذا مَنَّ بعطائه. والأَدَلُّ: المَنَّان بعَمَله. والدَّالَّة ممن يُدِلُّ على من له عنده منزلة شبه جَراءة منه. أَبو الهيثم: لفلان عليك دالَّة وتَدَلُّلٌ وإِدْلال. وفلان يُدِلُّ عليك بصحبته إِدْلالاً ودَلالاً ودالَّة أَي يجتريء عليك، كما تُدِلُّ الشابَّة على الشيخ الكبير بجَمالها .. ((بِغُرُورٍ)): غرّه يغُرُّه غَرًّا وغُروراً وغِرّة؛ الأَخيرة عن اللحياني، فهو مَغرور وغرير: خدعه وأَطعمه بالباطل .. ((وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ)): طَفِقَ طَفَقاً: لزم. وطَفِق يفعل كذا يَطْفَق طَفَقاً: جعل يَفْعَل وأَخذ. وفي التنزيل: وطَفِقا يَخْصِفان عليهما من وَرَق الجنة. وفي الحديث: فطَفِقَ يُلْقِي إِليهم الجَبُوبَ، وهو من أَفعال المقاربة، والجَبُوب المَدَر. الليث: طفق بمعنى عَلِق يفعل كذا، وهو يجمع ظَلَّ وبات .. ((يَخْصِفَانِ)): خَصَفَ النعلَ يخْصِفُها خَصْفاً: ظاهَرَ بعضها على بعض وخَرَزَها، وهي نَعْلٌ خَصِيفٌ؛ وكلُّ ما طُورِقَ بعضُه على بعض، فقد خُصِفَ. وفي الحديث: أَنه كان يَخْصِفُ نَعْلَه، وفي آخر: وهو قاعد يَخْصِفُ نعله أَي كان يَخْرُزها، من الخَصْفِ: الضم والجمع. وفي الحديث في ذكر عليّ خاصِفِ النعل، ومنه قول العباس يمدح النبي، صلى اللّه عليه وسلم: مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وفي مُسْتَوْدَعٍ، حيثُ يخْصَفُ الوَرَق ُأَي في الجنة حيث خَصَفَ آدمُ وحوَّاء، عليهما السلام، عليهما من ورَق الجنة. والخصَفُ والخَصَفةُ: قِطْعَةٌ مما تُخصَفُ به النعلُ .. ((عَدُوٌّ مُبِينٌ)): أبان الشيء: اتضح فهو مبين ..
((قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (23).)) .. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا: الغَفُورُ الغَفّارُ، جلّ ثناؤه، وهما من أَبنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم. يقال: اللهمَّ اغفر لنا مَغْفرة وغَفْراً وغُفْراناً، وإنك أَنت الغَفُور الغَفّار يا أَهل المَغْفِرة. وأَصل الغَفْرِ التغطية والستر. غَفَرَ الله ذنوبه أَي سترها ..
((قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24).)) .. وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ: وقال الليث: المستقر ما ولد من الخلق وظهر على الأَرض، والمستودَع ما في الأَرحام، وقيل: مستقرّها في الأَصلاب ومستودعها في الأَرحام، وسيأْتي ذكر ذلك مستوفى في حرف العين، إِن شاءَ الله تعالى، وقيل: مُسْتَقِرٌّ في الأَحياء ومستودَع في الثَّرَى .. ((وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)): قال الأَزهري: وكذلك قوله تعالى: يا قوم إِنما هذه الحياة الدنيا مَتاعٌ؛ أَي بُلْغةٌ يُتَبلَّغُ به لا بقاء له. ويقال: لا يُمْتِعُني هذا الثوبُ أَي لا يَبْقى لي، ومنه يقال: أَمْتَعَ الله بك. أَبو عبيدة في قوله فأُمَتِّعُه أي أُؤخره، ومنه يقال: أَمْتَعَك الله بطول العمر؛ وأَما قول بعض العرب يهجو امرأَته: لو جُمِعَ الثلاث والرُّباعُ وحِنْطةُ الأَرضِ التي تُباعُ، لم تَرَهُ إِلاّ هُوَ المَتاعُ فإِنه هجا امرأَته. والثلاث والرباع: أَحدهما كيل معلوم، والآخر وزن معلوم؛ يقول: لو جُمِعَ لها ما يكالُ أَو بوزن لم تره المرأَة إِلا مُتْعةً قليلة. قال الله عز وجل: ما هذه الحياة الدنيا إِلاّ متاع .. والمتاع كل ما ينتفع انتفاعا قليلا غير باق .. ((إِلَى حِينٍ)): الحِينُ: الدهرُ، وقيل: وقت من الدَّهر مبهم يصلح لجميع الأَزمان كلها، طالت أَو قَصُرَتْ، يكون سنة وأَكثر من ذلك، وخص بعضهم به أَربعين سنة أَو سبع سنين أَو سنتين أَو ستة أَشهر أَو شهرين. والحِينُ: الوقتُ ..
((قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)): أي في الأرض .. والضمير يعود كله إلى الأَرض .. فيها المحيا والممات والإنبعاث للحساب والجزاء ..