(( ... وَلاَ تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ (52) .. )) .. المقصود بالدعاء هنا الصلاة .. أي لا تطرد الذين يحافظون على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها .. وجماعة .. أي الذين يصلون جماعة مع المحافظة على الأداء في الأوقات الشرعية .. وكان بعض عتاة الكفار من قريش اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد ((بلالا)) الحبشي وابن أم عبد .. كي يجلسوا إليه هم بدلا عنهم لأنهم يترفعون عن مجالسة الفقراء .. بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ: الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة .. الغُدْوة، بالضم: البُكْرَة ما بين صَلاةِ الغَداة وطلُوعِ الشمس. وغُدْوَةُ، من يومٍ بعينِه، غير مُجْراة: عَلَمٌ للوقت. والغداة: كالغُدْوة، وجمعها غَدَوات قال الأزهري: هكذا يقولُ، قال النحويون: إنها لا تُنَوَّن ولا يَدخل فيها الأَلِف واللامُ، وإذا قالوا الغَداة صَرَفوا، قال الله تعالى: بالغداة والعَشِيّ ِيُريدون وجْهَه؛ وهي قراءةُ جميع القُرّاء إلا ما رُوي عن ابن عامرٍ فإنه قرأَ بالغُدْوَةِ، وهي شاذة .. وقال الأَزهري: يَقَع العشيُّ على ما بَيْنَ زَوالِ الشمْسِ إلى وَقْت غُروبها، كل ذلك عَشِيٌّ، فإذا غابَتِ الشَّمْسُ فهو العِشاءُ، وقيل: العَشِيُّ منْ زَوالِ الشَّمْس إِلى الصَّباح، ويقال لِما بين المَغْرِب والعَتَمة: عِشاءٌ ..
((وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53).)) .. وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ: الأَزهري وغيره: جِماعُ معنى الفِتْنة الابتلاء والامْتِحانُ والاختبار، وأَصلها مأْخوذ من قولك فتَنْتُ الفضة والذهب إِذا أَذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيِّدِ، وفي الصحاح: إِذا أَدخلته النار لتنظر ما جَوْدَتُه، ودينار مَفْتُون. والفَتْنُ: الإِحْراقُ، ومن هذا قوله عز وجل:
يومَ هم على النارِ يُفْتَنُونَ؛ أَي يُحْرَقون بالنار. ويسمى الصائغ الفَتَّان، وكذلك الشيطان، ومن هذا قيل للحجارة السُّود التي كأَنها أُحْرِقَتْ بالنار: الفَتِينُ، وقيل في قوله: يومَ همْ على النار يُفْتَنُونَ، قال: يُقَرَّرونَ والله بذنوبهم. ووَرِقٌ فَتِينٌ أَي فِضَّة مُحْرَقَة. ابن الأَعرابي: الفِتْنة الاختبار، والفِتْنة المِحْنة، والفِتْنة المال، والفِتْنة الأَوْلادُ، والفِتْنة الكُفْرُ، والفِتْنةُ اختلافُ الناس بالآراء .. ((مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)): ومَنَّ يَمُنُّ مَنّاً: اعتقد عليه مَنّاً وحسَبَهُ عليه. وقوله عز وجل: وإِنّ َلكَ لأَجْراً غيرَ مَمْنونِ؛ جاء في التفسير: غير محسوب، وقيل: معناهُ أَي لا يَمُنُّ الله عليهم به فاخراً أَو مُعَظِّماً كما يفعل بخلاءُِ المُنْعِمِين، وقيل: غير مقطوع من قولهم حبل مَنِين إِذا انقطع وخَلَقَ، وقيل: أَي لا يُمَنُّ به عليهم. الجوهري: والمَنُّ القطع، ويقال النقص .. ((بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِين)): علم علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. العلم: إدراك الشيء بحقيقته وكنهه ..
((وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54).)) ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا الحكم بن نافع البهراني: أخبرنا شعيب، عن الزُهري: أخبرنا سعيد بن المسيَّب: أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه) ..
((سُوءًا بِجَهَالَةٍ)): والجَهَالة: أَن تفعل فعلاً بغير العِلْم. ابن شميل: إِن فلاناً لَجَاهِل من فلان أَي جاهِلٌ به. ورجل جاهِلٌ والجمع جُهْلٌ وجُهُلٌ وجُهَّل وجُهَّال وجُهَلاء؛ عن سيبويه .. ((فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)): الغَفُورُ الغَفّارُ، جلّ ثناؤه، وهما من أَبنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم. يقال: اللهمَّ اغفر لنا مَغْفرة وغَفْراً وغُفْراناً، وإنك أَنت الغَفُور الغَفّار يا أَهل المَغْفِرة. وأَصل الغَفْرِ التغطية والستر. غَفَرَ الله ذنوبه أَي سترها .. ((فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)): والله الرَّحْمَنُ الرحيم: بنيت الصفة الأُولى على فَعْلانَ لأَن معناه الكثرة، وذلك لأَن رحمته وسِعَتْ كل شيء وهو أَرْحَمُ الراحمين، فأَما الرَّحِيمُ فإِنما ذكر بعد الرَّحْمن لأَن الرَّحْمن مقصور على الله عز وجل .. والرحيم قد يكون لغيره؛ قال الفارسي: إِنما قيل بسم الله الرَّحْمن الرحيم فجيء بالرحيم بعد استغراق الرَّحْمنِ معنى الرحْمَة لتخصيص المؤمنين به في قوله تعالى: وكان بالمؤمنين رَحِيماً، كما قال: اقْرَأْ باسم ربك الذي