العرب، فلم يَجِدْ دابَّةً يركبُها، فرَكِب سائبةً، فقيل: أَتَرْكَبُ حَراماً؟ فقال: يَركَبُ الحَرامَ مَنْ لا حَلالَ له، فذهَبَتْ مَثَلاً. وفي الصحاح: السائبةُ الناقةُ التي كانت تُسَيَّبُ، في الجاهِلِيَّةِ، لِنَذْرٍ ونحوه؛ وقد قيل: هي أُمُّ البَحِيرَةِ؛ كانتِ الناقةُ إِذا ولَدَتْ عَشْرَةَ أَبْطُن، كُلُّهنَّ إِناثٌ، سُيِّبَتْ فلم تُرْكَبْ، ولم يَشْرَبْ لَبَنَها إِلا ولَدُها أَو الضَّيْفُ حتى تَمُوتَ، فإِذا ماتتْ أَكَلَهَا الرجالُ والنساءُ جَميعاً، وبُحِرَتْ أُذن بِنْتِها الأَخيرةِ، فتسمى البَحِيرةَ، وهي بمَنْزلةِ أُمِّها في أَنها سائبةٌ، والجمع سُيَّبٌ، مثلُ نائمٍ ونُوَّمٍ، ونائحةٍ ونُوَّحٍ. وكان الرَّجلُ إِذا أَعْتَقَ عَبْداً وقال: هو سائبةٌ، فقد عَتَقَ، ولا يكون وَلاؤُه لِمُعْتِقِه، ويَضَعُ مالَه حيث شاءَ، وهو الذي وردَ النَّهْيُ عنه. قال ابن الأَثير: قد تكرر في الحديث ذكر السَّائبةِ والسَّوائِبِ؛ قال: كان الرَّجُلُ إِذا نذَرَ لقُدُومٍ مِن سَفَرٍ، أَو بُرْءٍ من مَرَضٍ، أَو غير ذلك قال: ناقَتي سائبةٌ، فلا تُمْنَعُ مِن ماءٍ، ولا مَرْعًى، ولا تُحْلَبُ، ولا تُرْكَب؛ وكان إِذا أَعْتَقَ عَبْدا ًفقال: هو سائِبةٌ، فلا عَقْل بينهما، ولا مِيراثَ؛ وأَصلُه من تَسْيِيبِ الدَّوابِّ، وهو إِرسالُها تَذْهَبُ وتجيءُ، حيث شاءَتْ. وفي الحديث: رأَيتُ عَمْرو بن لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَه في النَّارِ؛ وكان أَوَّلَ من سَيَّبَ السَّوائِب، وهي التي نَهى اللّهُ عنها بقوله: ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ولا سائبةٍ؛ فالسَّائبة: أُمُّ البَحِيرَةِ، وهو مَذْكور في موضعه. وقيل: كان أَبو العالِيةِ سائبةً، فلما هَلَكَ، أُتِيَ مَولاه بميراثِه، فقال: هو سائبةٌ، وأَبى أَنْ يأْخُذَه. وقال الشافعيّ: إِذا أَعْتَقَ عَبْدَه سائبةً، فمات العبدُ وخَلَّفَ مالاً، ولم يَدَعْ وارثاً غير مولاه الذي أَعْتَقَه، فميراثُه لمُعْتِقِه، لأَن النبيّ، صلى اللّه عليه وآله وسلم، جَعَلَ الوَلاءَ لُحْمةً كَلُحْمةِ النَّسَب، فكما أَنَّ لُحْمةَ النَّسبِ لا تَنْقَطِعُ، كذلك الوَلاءُ؛ وقد قال، صلى اللّه عليه وآله وسلم: الوَلاءُ لمن أَعْتَقَ. وروي عن عُمَرَ، رَضي اللّه عنه، أَنه قال: السَّائِبةُ والصَّدقةُ ليومِهِما. قال أَبو عبيدة، في قوله ليَوْمهما، أَي يَوْمِ القيامةِ، واليَوْمِ الذي كان أَعْتَقَ سائبتَه، وتصدّق بصدقتِه فيه. يقول: فلا يَرجِعُ إِلى الانتِفاع بشيءٍ منها بَعْدَ ذلك في الدنيا، وذلك كالرَّجل يُعْتِقُ عَبْدَه سائبةً، فيَمُوتُ العَبْدُ ويَتْرُك مالاً، ولا وارثَ له، فلا ينبغي لِمُعتقه أَن يَرْزَأَ من مِيراثِه شيئاً، إِلا أَن يَجْعَلَهُ في مِثْله. وقال ابن الأَثير: قوله الصَّدَقةُ والسَّائبةُ ليومِهما، أَي يُرادُ بهما ثوابُ يومِ القيامةِ؛ أَي مَن أَعْتَقَ سائِبَتَه، وتَصَدَّقَ بِصَدقةٍ، فلا يَرْجِعُ إِلى الانْتِفاعِ بشيءٍ منها بعدَ ذلك في الدنيا، وإِن وَرِثَهما عنه أَحدٌ، فَلْيَصْرِفْهُما في مِثْلِهما، قال: وهذا على وَجْهِ الفَضْلِ، وطَلَبِ الأَجْرِ، لا على أَنه حرامٌ، وإِنما كانوا يَكْرَهُون أَن يَرْجِعُوا في شيءٍ، جَعَلُوه للّه وطَلَبُوا به الأَجر. وفي حديث عبدِاللّه: السَّائبةُ يَضعُ مالَه حيثُ شاءَ؛ أَي العَبْدُ الذي يُعْتَقُ سائِبةً، ولا يكون ولاؤُه لِمُعْتِقِه، ولا وارِثَ له، فيَضَعُ مالَه حيثُ شاءَ، وهو الذي ورَدَ النَّهْيُ عنه. وفي الحديث: عُرِضَتْ عَليَّ النارُ فرأَيتُ صاحِبَ السَّائِبَتَيْنِ يُدْفَعُ بِعَصاً، السَّائِبتانِ: بَدَنَتانِ أَهْداهما النبيُّ، صلى اللّه عليه وآله وسلم، إِلى البَيْت، فأَخذهما رَجلٌ مِن المشركين فذَهَبَ بهما؛ سمَّاهُما سائِبَتَيْنِ لأَنه سَيَّبَهُما للّه تعالى. وفي حديثِ عبدالرحمن بن عَوْفٍ: أَنَّ الحيلةَ بالمَنْطِقِ أَبْلَغُ من السُّيُوبِ في الكَلِمِ؛ السُّيُوبُ: ما سُيِّبَ وخُلِّي فسابَ، أَي ذَهَبَ. وسابَ في الكلام: خاضَ فيه بهَذْرٍ؛ أَي التَّلَطُّفُ والتَّقَلُّلُ منه أَبلَغُ من الإِكثارِ. ويقال: سابَ الرَّجُل في مَنْطِقِه إِذا ذَهَبَ فيه كلَّ مذهبٍ. والسَّيَابُ، مثل السَّحابِ .. ((مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ... )) .. جاء في صحيح البخاري عن معنى ((حام)): كانوا في الجاهلية إذا نتج للبعير عشر من الذكور قالوا هو حام فلا يركبونه ولا ينتفعون به .. وفي حالات أخرى إذا نتج للبعير سبعا من الإناث تركوا الانتفاع بنفس الطريقة .. أما إذا نتج له سبعا من الإناث فإنه يتركون ركوبه والانتفاع به ويتركونه يسرح كما يشاء لا يتعرضون له؟ ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة: التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء.
وفي صحيح البخاري أيضا: قال: وقال أبو هريرة:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب). والوصيلة الناقة البكر، تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم، إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي.