((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59).)) .. خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ: والخَلْقُ في كلام العرب: ابتِداع الشيء على مِثال لم يُسبق إِليه: وكل شيء خلَقه الله فهو مُبْتَدِئه على غير مثال سُبق إِليه: أَلا له الخَلق والأَمر تبارك الله أَحسن الخالقين. قال أَبو بكر بن الأَنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين: أَحدهما الإِنْشاء على مثال أَبْدعَه، والآخر التقدير؛ وقال في قوله تعالى: فتبارك الله أَحسنُ الخالقين، معناه أَحسن المُقدِّرين؛ وكذلك قوله تعالى: وتَخْلقُون إِفْكاً؛ أَي تُقدِّرون كذباً. وقوله تعالى: أَنِّي أَخْلُق لكم من الطين خَلْقه؛ تقديره، ولم يرد أَنه يُحدِث معدوماً. ابن سيده: خلق الله الشيء يَخلُقه خلقاً أَحدثه بعد أَن لم يكن، والخَلْقُ يكون المصدر ويكون المَخْلُوقَ؛ وقوله عز وجل: يخلُقكم في بطون أُمهاتكم خَلْقاً من بعد خلق في ظُلمات ثلاث .. ((ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)): كان يكون كونا وجد وصار .. و ((كن)) أمر تكويني من اختصاص الله عز وجل وحده .. يوجد به الأشياء ولم تكن شيئا لتكون في مكانها وزمانها وأجلها الذي يقدره الله عز وجل سبحانه القادر الحكيم ..
((الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (60).)) .. فَلاَ تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ: وما رَيْتُ الرجلَ أُماريه مِراءً إِذا جادلته. والمِرْيةُ والمُرْيةُ: الشَّكُّ والجدَل، بالكسر والضم، وقرئَ بهما قوله عز وجل: فلا تَكُ في مِرْيةٍ منه؛ قال ثعلب: هما لغتان، قال: وأَما مِرْيةُ الناقة فليس فيه إِلا الكسر، والضم غلط. والامْتِراءُ في الشيءِ: الشَّكُّ فيه، وكذلك التَّماري. والمِراءُ: المُماراةُ والجدَل، والمِراءُ أَيضاً: من الامْتِراءِ والشكِّ. وفي التنزيل العزيز: فلا تُمارِ فيهم إِلاَّ مِراءً ظاهراً؛ قال: وأَصله في اللغة الجِدال وأَن يَستخرج الرجلُ من مُناظره كلاماً ومعاني الخصومة وغيرها منْ مَرَيْتُ الشاةَ إِذا حلبتها واستخرجت لبنها، وقد ماراةُ مُماراةً ومِيراءً. وامْتَرى فيه وتَمارى: شَكَّ ..
((فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61).)) .. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيه: والحُجَّة: البُرْهان؛ وقيل: الحُجَّة ما دُوفِعَ به الخصم؛ وقال الأَزهري: الحُجَّة الوجه الذي يكون به الظَّفَرُ عند الخصومة. وهو رجل مِحْجاجٌ أَي جَدِلٌ. والتَّحاجُّ: التَّخاصُم؛ وجمع الحُجَّةِ: حُجَجٌ وحِجاجٌ. وحاجَّه مُحاجَّةً وحِجاجاً: نازعه الحُجَّةَ. وحَجَّه يَحُجُّه حَجّاً: غلبه على حُجَّتِه. وفي الحديث: فَحَجَّ آدمُ موسى أَي غَلَبَه بالحُجَّة. واحْتَجّ َبالشيءِ: اتخذه حُجَّة؛ قال الأَزهري: إِنما سميت حُجَّة لأَنها تُحَجُّ أَي تقتصد لأَن القصد لها وإِليها؛ وكذلك مَحَجَّة الطريق هي المَقْصِدُ والمَسْلَكُ. وفي حديث الدجال: إِن يَخْرُجْ وأَنا فيكم فأَنا حَجِيجُه أَي مُحاجُّهُ ومُغالِبُه بإِظهار الحُجَّة عليه. والحُجَّةُ: الدليل والبرهان .. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ: علم علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. العلم: إدراك الشيء بحقيقته وكنهه .. ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين: هذه هي المباهلة .. والبَهْل: اللَّعْن. وفي حديث ابن الصَّبْغاء قال: الذي بَهَله بُرَيْق ٌأَي الذي لَعَنه ودعا عليه رجل اسمه بُرَيْقٌ. وبَهَله اللهُ بَهْلاً: لَعَنه. وعليه بَهْلة الله وبُهْلته أَي لعْنَتُه. وفي حديث أَبي بكر: من وَلِيَ من أُمور الناس شيئاً فلم يُعْطِهم كتاب الله فعليه بَهْلة الله أَي لَعْنة الله، وتضم باؤها وتفتح. وباهَلَ القومُ بعضُهم بعضاً وتَباهلوا وابتهلوا: تَلاعنوا. والمُباهلة: المُلاعَنة. يقال: باهَلْت فلاناً أَي لاعنته، ومعنى المباهلة أَن يجتمع القوم إِذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لَعْنَةُ الله على الظالم منا. وفي حديث ابن عباس: من شاء باهَلْت أَن الحَقَّ معي. وابْتَهَل في الدعاء إِذا اجْتَهَدَ. ومُبْتَهِلاً أَي مُجْتَهِداً في الدعاء. والابتهال: التضرُّع. والابتهال: الاجتهاد في الدعاء وإِخْلاصُه لله عز وجل. وفي التنزيل العزيز: ثم نَبْتَهِلْ فنجعلْ لعنة الله على الكاذبين؛ أَي يُخْلِصْ ويجتهد كلٌّ منا في الدعاء واللَّعْنِ على الكاذب منا. قال أَبو بكر: قال قوم المُبْتَهِل معناه في كلام العرب المُسَبِّح الذاكر لله ..
((إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62))) .. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ: والقِصّة: الخبر وهو القَصَصُ. وقصّ عليّ خبَره يقُصُّه قَصّاً وقَصَصاً: أَوْرَدَه. والقَصَصُ: الخبرُ المَقْصوص، بالفتح، وضع موضع المصدر حتى صار أَغْلَبَ عليه. والقِصَص، بكسر القاف: جمع القِصّة التي تكتب. وفي حديث غَسْل دَمِ الحيض: فتقُصُّه بريقها أَي تعَضُّ موضعه من الثوب بأَسْنانها وريقها ليذهب أَثره كأَنه من القَصّ القطع أَو تتبُّع الأَثر؛ ومنه الحديث: فجاء واقْتصّ أَثَرَ الدم. وتقَصّصَ كلامَه: حَفِظَه. وتقَصّصَ الخبر: تتبّعه. والقِصّة: الأَمرُ والحديثُ. واقْتَصَصْت الحديث: رَوَيْته على وجهه،