أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
((أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)./.)).
صدق الله العظيم
(سورة الماعون)
* التحليل:
من لطائف هذا الدين الإسلامي الحنيف الذي جاء رحمة للناس كلهم في كل زمان مكان إلى قيام الساعة التي لاشك فيها إطلاقا .. انه اهتم بكل شيء في حياة المؤمن وداخل المجتمع الإسلامي .. اهتم بأدق التفاصيل حتى في الحياة الشخصية وفي العلاقة بين المؤمن وغيره من عائلة وأجوار .. ولو كان هذا الدين من عند غير الله العزيز الغفار الودود الشكور, ما وجدوا فيه غير تنظير جامد لا ينفع ولا يهتم بحياة الفرد والمجتمع .. حتى تكون الحياة سوية آمنة مستقرة .. نفسيا وفريا وجسديا ترنوا إلى الأوفق والأجمل بلا انتهاء .. في هذا الإطار جاءت سورة ((الماعون)) .. لرفع اللبس والالتباس فيما يتعلق بالدين والحياة الخاصة والعامة حتى لا يظنن أحد من ذوي الأفهام القاصرة المقصرة في حق دين الله أن الدين مجرد كلمات تقال وينتهي الموضوع .. بل جعل الله سبحانه وتعالى الدين مساويا للمعاملة في كل شيء .. حتى في معاملة اليتيم وفي الإحسان إلى الجار .. وفي الإخلاص لله في كل شيء عبادة ومعاملة بالتساوي وعلى نسق متوازن يجمع بين المادة والروح .. حتى يخرج خبيئة الإيمان ويميز الخبيث من الطيب .. ليس كما يفهم كثير من الناس الدين .. حيث ربطه بعضهم بالتهويمات والزوايا والتكايا .. والخرافات والشعوذة والإبتعاد عن مجتمع الناس بينما يعني الدين الحياة كلها بما يعتمل فيها من خير وشر .. وحتى يكون فيها المؤمن هو القدوة قولا وعملا بذلا وعطاء ونشاطا ومعاملة وحسن معاملة مع نفسه ومع غيره في كل المستويات .. إنه الفهم الحقيقي للغة وللدين الحق وهو الفهم الذي تقدم به السلف الصالح بينما بقينا ندور في حلقة مفرغة .. فالماعون قالوا عنه إنه الماء .. بينما قال عكرمة: أعلاها الزكاة المفروضة، وأدناها عارية المتاع. وقيل: ما لا يحل منعه كالماء والملح والنار. (المتاع) متاع البيت كالمنخل والغربال ونحو ذلك .. (عن صحيح البخاري) .. فالماعون بهذا المعنى هو كل عارية .. أو كل ما يستعمله المؤمن في بيته من متاع ولوازم .. يعطيها لجاره عند الطلب استعمالا مؤقتا ثم يرجعها إليه .. فهناك بين الأجوار علاقة تكامل في كل شيء .. ليس معنى أن يستغل كل شخص هذه الآية كي يكون متكلا على غيره .. فيما قد يحتاج إليه من أدوات ومعدات .. وليس معنى ذلك أن ينكفئ المرء يمنع كل شيء .. ولا يكون مصدر رحمة لغيره .. فهناك معادلة واضحة وبسيطة .. فمن احتاج استرخص واستعمل بإذن ولا يجوز له إلا بالإذن .. والمطالب لا يجوز له المنع فيما يجوز استعماله بقدر مقدور وأجل معلوم .. والآخذ ملزم بالمحافظة على ما أخذ كأمانة وبإرجاع ما أخذ بأسرع وقت ممكن ..
((أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ... الدع: هو الدفع الشديد .. جعل الله سبحانه وتعالى الدين مساويا لحسن معاملة اليتيم .. ((وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) ... )) .. أي لا يأمر به .. ولكن من هو المسكين؟ .. جاء في لسان العرب:
المسكين والفقير مذكور في موضعه، وسنذكر منه هنا شيئاً، وهو مِفْعيل من السكون، مثل المِنْطيق من النُّطْق. قال ابن الأَنباري: قال يونس الفقير أَحسن حالاً من المسكين، والفقير الذي له بعض ما يُقيمه، والمسكينأَسوأُ حالاً من الفقير، وهو قول ابن السكيت؛ قال يونس: وقلت لأَعرابي أَفقير أَنت أَم مسكين؟ فقال: لا والله بل مسكين، فأَعلم أَنه أَسوأُ حالاً من الفقير؛ واحتجوا على أَن المسكين أَسوأُ حالاً من الفقير بقول الراعي: أَما الفقيرُ الذي كانَتْ حَلوبَتُه وَفْق العِيال، فلم يُترَك له سَبَدُ ..