((لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1).)) .. ترى لماذا يقسم بها؟ .. إكراما لمحمد عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أقام فيها فجعل الله ما يقوم به محمد فيها حلالا .. وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .. ((وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2).)) .. لقد حرم الله مكة المكرمة من بداية الخلق إلى قيام الساعة .. لم يحلها إلا لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام يوم الفتح ساعة من نهار .. ثم عادت حرمتها كما كانت إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا .. والمعنى أن الله راض عنك في إقامتك في مكة .. ((وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3).)) .. أقسم الله عز وجل بآدم وبما بث منه من خلق .. أقسم بالوالد وما نتج عنه من مولود .. أقسم بالمنطق والمنتهى .. فالخلق واحد .. والخالق واحد لا شريك له .. ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4) .. )) .. لقد خلقنا الإِنسان في كبد يكابد أَمر الدنيا والآخرة. قال أَبو منصور: ومكابَدَةُ الأَمر معاناة مشقته. وكابَدْت الأَمر إِذا قاسيت شدته. وفي حديث بلال: أَذَّنْتُ في ليلة باردة فلم يأْت أَحد، فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: أَكَبَدَهُم البَرْدُ؟ أَي شَقَّ عليهم وضَيَّق، من الكَبَد، بالفتح، وهي الشدّة والضيق، أَو أَصاب أَكبادَهم، وذلك أَشد ما يكون من البرد، لأَن الكَبِدَ مَعْدِنُ الحرارة والدم ولا يَخْلُص إِليها إِلا أَشدّ البرد. الليث: الرجل يُكابِدُ الليلَ إِذا رَكِبَ هَوْلَه وصُعُوبَتَه. ويقال: كابَدْتُ ظلمة هذه الليلة مُكابدة شديدة .. وقولهم: فلان تُضْرَبُ إِليه أَكبادُ الإِبل أَي يُرْحَلُ إِليه في طلب ِالعِلْم وغيره. وكابَدَ الأَمرَ مُكابَدَة وكِباداً: قاساه، والاسم الكابِدُ كالكاهِلِ والغارِب ..
((أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَدًا (6) .. )) .. ومال لبد: كثير لا يُخاف فَنَاؤه كأَنه التَبَدَ بعضُه على بعض. وفي التنزيل العزيز يقول: أَهلكت مالاً لُبَداً؛ أَي جَمّاً؛ قال الفراء:
اللُّبَد الكثير؛ وقال بعضهم: واحدته لُبْدةٌ، ولُبَد: جِماع؛ قال: وجعله بعضهم على جهة قُثَمٍ وحُطَم واحداً وهو في الوجهين جميعاً: الكثير. وقرأ َأَبو جعفر: مالاً لُبَّداً، مشدداً، فكأَنه أَراد مالاً لابداً. ومالان ِلابِدانِ وأَموالٌ لُبَّدٌ. والأَموالُ والمالُ قد يكونان في معنى واحد ..
((أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10).)) .. وهديناه النَّجْدين؛ أَي طَرِيقَ الخير وطريقَ الشرّ، وقيل: النجدين الطريقين الواضحين. والنَّجد: المرتفع من الأَرض، فالمعنى أَلم نعرّفه طريق الخير والشر بيِّنَين كبيان الطريقين العاليين؟ وقيل: النجدين الثَّدْيَيْنِ. ونَجُدَ الأَمْرُ ينْجُد نُجُوداً، وهو نَجْدٌ وناجِدٌ: وضَحَ واستبان ..
((فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ... )) .. العقبة: جبل في جهنم .. وما الطريق للنجاة منه .. ((فَكُّ رَقَبَةٍ)) .. أي عتق رقبة من الأسر ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا أحمد بن يونس: حدثنا عاصم بن محمد قال: حدثني واقد ابن محمد قال: حدثني سعيد بن مرجانة، صاحب علي بن حسين، قال: قال لي أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما رجل أعتق امرأ مسلما، استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار).
((أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)): المسغبة هي المجاعة .. والمقصود بذل الطعام أيام الحاجة .. ((يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ)): أي من جهة قرابة الأب .. كأفضلية .. ومن القرابة عموما لما في القرابة من صلة الرحم وجزيل الثواب المزدوج .. في الصدقة والصلة .. ((أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) .. أي الذي لا يملك شيئا فالتصق بالتراب التصاقا فقرا وحاجة وغربة وديونا ..
هل يكفي كل ذلك؟ .. كلا .. مع الإنفاق وفك الأسر .. والبذل يجب على المرء ((ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) .. )) .. آمن به صدقه ووثق به .. الإيمان التصديق .. مع البذل والعطاء يتحلى بالإيمان بالله الواحد الذي لا شريك له وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن الكريم وتطبيق تعاليمه وأوامره والإنتهاء عند نواهيه .. ومع ذلك يرافقه الصبر على المكاره وتوصية غيره من المؤمنين والمؤمنين بالصبر والمصابرة فى الشداد .. ومع جماع ذلك كله الرحمة لنفسه ولعياله ولمجتمعه ولجميع الخلق .. بذلك وبذلك فقط يندرج ضمن ((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18).) .. أي الذين يعطيهم الله كتابهم بيمينهم .. أي أصحاب الجنة .. ومن كذب بذلك ورفض السمع والطاعة ما مآله؟ ..