تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(( ... إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13).)) .. إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا: الرَّبُّ: هو اللّه عزّ وجل، هو رَبُّ كلِّ شيءٍ أَي مالكُه، وله الرُّبوبيَّة على جميع الخَلْق، لا شريك له، وهو رَبُّ الأَرْبابِ، ومالِكُ المُلوكِ والأَمْلاكِ. ولا يقال الربُّ في غَير اللّهِ، إِلاّ بالإِضافةِ .. أي وحدوا الله لا شريك له ولا شبيه ولا نظير .. ولا زوجة له ولا ولد .. ونزهوه عن كل سوء .. ((ثُمَّ اسْتَقَامُوا)): واستقاموا على طاعته فيما أمر ونهى ..

((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14).) .. خَالِدِينَ فِيهَا: الخُلْد: دوام البقاء في دار لا يخرج منها. خَلَدَ يَخْلُدُ خُلْداً وخُلوداً: بقي وأَقام. ودار الخُلْد: الآخرة لبقاءِ أَهلها فيها. وخَلَّده الله وأَخْلَده تخليداً؛ وقد أَخْلَد الله أَهلَ دار الخُلْد فيها وخَلَّدهم، وأَهل الجنة خالدون مُخَلَّدون آخر الأَبد ..

((وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (15).)) .. وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ: أَوْصى الرجلَ ووَصَّاه: عَهِدَ إِليه .. وقوله عز وجل: ((وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ يُوصِيكم اللهُ في أَولادكم؛ معناه يَفْرِضُ عليكم لأَن الوَصِيَّةَ من الله إِنما هي فَرْض، والدليل على ذلك قوله تعالى: ولا تَقْتُلوا النفسَ التي حرَّم اللهُ إِلا بالحقّ ذلكم وَصَّاكم به؛ وهذا من الفرض المحكم علينا. وقوله تعالى: أَتَواصَوا به؛ قال أَبو منصور: أَي أَوْصى أَوَّلُهم آخرَهم، والأَلف أَلف استفهام، ومعناها التوبيخ. وتَواصَوْا: أَوْصى بعضهم بعضاً. ووصَى الرجلَ وَصْياً: وصَلَه. ووَصَى الشيءَ بغيره وَصْياً: وصَلَه. أَبو عبيد: وصَيْتُ الشيءَ ووَصَلْته سواء .. ((وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ)): والفِصال: الفِطام؛ قال الله تعالى: وحَملُه وفِصالُه ثلاثون شهراً؛ المعنى ومَدى حَمْلِ المرأَة إِلى منتهى الوقت الذي يُفْصَل فيه الولد عن رَضاعها ثلاثون شهراً؛ وفَصَلت المرأَة ولدها أَي فطمَتْه. وفَصَل المولودَ عن الرضاع يَفْصِله فَصْلاً وفِصالاً وافْتَصَلَه: فَطَمه، والاسم الفِصال، وقال اللحياني: فَصَلته أُمُّه، ولم يخص نوعاً. وفي الحديث: لا رَضاع بعد فِصال، قال ابن الأَثير: أَي بعد أَن يُفْصَل الولد عن أُمِّه .. ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ)): والأَشُدُّ: مَبْلَغُ الرجل الحُنْكَةَ والمَعْرِفَةَ؛ قال الله عز وجل: حتى إِذا بلغ أَشُده؛ قال الفراء: الأَشُدُّ واحدها شَدٌّ في القياس، قال: ولم أَسمع لها بواحد؛ وأَنشد: قد سادَ، وهْو فَتىً، حتى إِذا بَلَغَتْ أَشُدُّه، وعَلا في الأَمْرِ واجْتَمَعا أَبو الهيثم: واحدة الأَنْعُم نعْمَةٌ وواحدة الأَشُدِّ شِدَّة. قال: والشِّدَّة القُوَّة والجَلادَة. والشَّديدُ: الرجل القَوِيّ، وكأَنّ الهاء في النعمة والشِّدَّة لم تكن في الحرف إِذ كانت زائدة، وكأَنّ الأَصلَ نِعْمَ وشَدَّ فجمعا على أَفْعُل كما قالوا: رجُل وأَرجُل، وقَدَح وأَقْدُح، وضِرْسٌ وأَضْرُس. ابن سيده: وبلغ الرجل أَشُدَّهُ إِذا اكْتَهَل. وقال الزجاج: هو من نحو سبع عشرة إِلى الأَربعين .. ((قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ)): وأَوْزَعْتُه بالشيء: أَغْرَيْتُه فأُوزِعَ به، فهو مُوزَعٌ به أَي مُغْرًى به .. وفي الحديث: أَنه كان مُوزَعاً بالسِّواكِ أَي مُولَعاً به. وقد أُوزِعَ بالشيء يُوزَعُ إِذا اعتادَه وأَكثر منه وأُلْهِمَ. والوَزُوعُ: الوَلُوعُ؛ وقد أُوزِعَ به وَزُوعاً: وقد أُوزِعَ به وَزُوعاً: كأُولِعَ به وُلُوعاً. وحكى اللحياني: إِنه لَوَلُوعٌ وَزُوعٌ، قال: وهو من الإتباع. وأَوْزَعَه الشيءَ: أَلْهَمه إِياه. وفي التنزيل: ربِّ أَوْزِعْني أَن أَشكر نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عليّ؛ ومعنى أَوْزِعْني أَلْهِمْني وأَولِعْني به، وتأْويلُه في اللغة كُفَّني عن الأَشياء إلا عن شكر نعمتك، وكُفَّني عما يُباعِدُني عنك. وحكى اللحياني: لِتُوزَعْ بتقوى الله أَي لِتُلْهَمْ بتقوى الله ..

((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16).)) .. وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ: مصدر مؤكد لما قبله .. أي إن الله سبحانه وتعالى يتجاوز عن أخطاء المؤمنين الذين امتثلوا لأوامره .. ووحدوه واستقاموا على طريقته .. وقرن بين توحيده والإحسان للوالدين .. فكأن الإحسان لهما هو الطريق الأمثل مع عبادة الله لا شريك له وتطبيق أوامره والإنتهاء عند نواهيه .. لغفران الذنوب من لدن الله الغفور الرحيم ..

((وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (17).)) .. وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ: وأُفّ: كلمة تَضَجُّرٍ وفيها عشرة أَوجه: أُفّ له وأُفِّ وأُفُّ وأُفّاً وأُفٍّ وأُفٌّ، وفي التنزيل العزيز: ولا تَقُلْ لهما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما، وأُفِّي مُمالٌ وأُفَّى وأُفَّةٌ وأُفْ خفيفةً من أُفّ المشددة، وقد جَمَعَ جمالُ الدِّين بن مالك هذه العشر

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٣٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٣٣٧