من آمن وصدق وبذل وأعطى .. فنال الجنة وعد الصدق من الله الذي لا يخلف الوعد والميعاد .. وبين من أغناه الله فبخل وكذب .. فأحضره الله النار التي وعده وعد الصدق أيضا والفرق واضح والبون شاسع وعلى العاقل أن يختار وأن يتحمل مسئولية اختيار الواعي المسئول ..
((وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (62).)) .. أشرك بالله: جعل له شريكا .. والله لا يشارك في ملكه ولا في ذاته ولا في صفاته .. تَزْعُمُونَ: وقيل: الزَّعْمُ الظن، وقيل: الكذب،
زَعَمَهُ يَزْعُمُهُ، والزُّعْمُ تميميَّة، والزَّعْمُ حجازية ..
((قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63).)) .. الغَيُّ: الضَّلالُ والخَيْبَة. غَوَى، بالفَتح، غَيّاً وغَوِيَ غَوايَةً؛ الأَخيرة عن أَبي عبيد: ضَلَّ. ورجلٌ غاوٍ وغَوٍ وغَوِيٌّ وغَيَّان: ضالٌّ، وأَغْواه هو .. ابن الأَعرابي: الغَيُّ الفَسادُ، قال ابن بري: غَوٍ هو اسمُ الفاعِلِ مِنْ غَوِيَ لا من غَوَى، وكذلك غَوِيٌّ، ونظيره رَشَدَ فهو راشِدٌ ورَشِدَ فهو رَشِيدٌ. وفي الحديث: مَنْ يُطِع اللهَ ورَسُولَه فقَدْ رَشَد ومن يَعْصِمها فقَدْ غَوَى .. تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ: ابنُ الأَعرابي: بَرِئَ إِذا تخَلَّصَ، وبَرِئَ إِذا تَنَزَّهَ وتباعَدَ، وبَرِئَ، إِذا أَعْذَرَ وأَنذَرَ؛ وبارَأْتُ الرَّجل: بَرِئْتُ اليه وبَرِئَ إِليَّ. وبارَأْتُ شَرِيكي: إِذا فارَقْتَه. وبارأَ المرأَةَ والكَرِيَّ مُبارأَةً وبِراءً: صالَحَهما على الفِراق ..
((وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) .. والمعنى أنهم لا ينتفعون بالشركاء الزعومين من أصنام مادية ومعنوية .. وحتى إن استغاثوا بهم .. فلا جدوى من استغاثتهم .. ولو أنهم اهتدوا في الدنيا واتبعوا دعوة الحق أي الإسلام الحنيف دين التوحيد الخالص أي عبادة الله وحده لا شريك له ولا زوجة له ولا ولد ولا يحده المكان ولا الزمان الخلاق العليم .. واتبعوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم .. ما وصل بهم الحال إلى تلك المهانة والعذاب ..
((وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ (66).)) .. وهو أَعْمَى وعَمٍ، والأُنثى عَمْياء وعَمِية، وأَما عَمْية فَعَلى حد ِّفَخْذٍ في فَخِذٍ، خَفَّفُوا مِيم عَمِيَة؛ قال ابن سيده: حكاه سيبويه. قال الليث: رجلٌ أَعْمَى وامْرَأَةٌ عَمْياء، ولا يقع هذا النَّعْتُ على العينِ الواحِدَة لأن المعنى يَقَعُ عليهما جميعاً، يقال: عَمِيتْ عَيْناهُ .. وقومٌ عَمُون. وفيهم عَمِيَّتُهم أَي جَهْلُهُم .. وقال الله عز وجل: ومَن كان في هذه أَعْمَى فهُو في الآخرة أَعْمَى وأَضَلّ ُسبيلاً؛ قال الفراء: عَدَّدَ الله نِعَم الدُّنْيا على المُخاطَبين ثم قال من كان في هذه أَعْمَى، يَعْني في نِعَم الدُّنْيا التي اقْتَصَصْناها علَيكم فهو في
نِعَمِ الآخرة أَعْمَى وأَضَلُّ سبيلاً، قال: وإنما جازَ في العَمَى لأنه لم يُرَدْ به عَمَى العَيْنَينِ إنما أُرِيد، والله أَعلم، عَمَى القَلْب، فيقال فلانٌ أَعْمَى من فلان في القَلْبِ، ولا يقال هو أَعْمَى منه في العَيْن .. وقولهم: ما أَعْماهُ إنما يُراد به ما أَعْمَى قَلْبَه لأَنَّ ذلك ينسبُ إليه الكثيرُ الضلالِ .. وقال نَفْطَوَيْه: يقال عَمِيَ فلانٌ عن رُشْدِه وعَمِيَ عليه طَريقُه إذا لم يَهْتَدِ لِطَرِيقه. ورجلٌ عمٍ وقومٌ عَمُونَ .. وكلُّ أَمرٍ لا تدرِكه القلوبُ بالعُقولِ فهو عَمًى .. وعَمِيَ عليه الأَمْرُ: الْتَبَس؛ ومنه قوله تعالى: فعَمِيَتْ عليهمُ الأَنباء يومئذٍ. والتَّعْمِيَةُ: أَنْ تُعَمِّيَ على الإِنْسانِ شيئاً فتُلَبِّسَه عليه تَلْبِيساً. وفي حديث الهجرة: لأُعَمِّيَنَّ على مَنْ وَرائي، من التَّعْمِية والإِخْفاء والتَّلْبِيسِ، حتى لا يَتبعَكُما أَحدٌ. وعَمَّيتُ معنى البيت تَعْمِية، ومنه المُعَمَّى من الشِّعْر، وقُرئَ:
فعُمِّيَتْ عليهم، بالتشديد. أَبو زيد: تَرَكْناهُم عُمَّى إِذا أَشْرَفُوا على الموت .. وقوله عز وجل: فَعمِيَتْ عليهم الأَنْبَاءُ يومئذٍ فهم لا يَتَساءَلون. قال الفرَّاءُ: يقول القائل قال اللّه تعالى: وأَقْبَلَ بَعضُهم على بعض يَتَساءَلون؛ كيف قال ههنا: فهم لا يتساءَلُون؟ قال أَهل التفسير: انه يقول عَمِيَتْ عليهم الحُجَجُ يومئذٍ، فسكتوا، فذلك قوله تعالى فهم لا يَتَساءَلون. قال أَبو منصور: سمَّى الحُجَج أَنْبَاءً، وهي جمع النَّبَإِ، لأَنَّ الحُجَجَ أَنْبَاءٌ عن اللّه، عز وجل. الجوهري: والنَبِيءُ: المُخْبِر عن اللّه، عز وجل، مَكِّيَّةٌ، لأَنه أَنْبَأَ عنه، وهو فَعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ. قال ابن بري: صوابه أَن يقول فَعِيل بمعنى مُفْعِل مثل نَذِير بمعنى مُنْذِر وأَلِيمٍ بمعنى مُؤْلِمٍ. وفي النهاية: فَعِيل بمعنى ..
((فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ (67).)) .. الفَلَح والفَلاحُ: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير؛ وفي حديث أَبي الدَّحْداحِ: بَشَّرَك الله بخير وفَلَحٍ أَي بَقاءٍ وفَوْز،