أَمواتٌ غيرُ أَحياء وما يَشْعرون، وكذلك قوله: ليُنْذِرَ من كان حَيّاً؛ أَي من كان مؤمناً وكان يَعْقِلُ ما يُخاطب به، فإن الكافر كالميت. وقوله عز وجل: ولا تَقُولوا لمن يُقْتَلُ في سبيل الله أَمواتٌ بل أَحياء؛ أَمواتٌ بإضْمار مَكْنِيٍّ أَي لا تقولوا هم أَمواتٌ، فنهاهم الله أَن يُسَمُّوا من قُتِل في سبيل الله ميتاً وأَمرهم بأَن يُسَمُّوهم شُهداء فقال: بل أَحياء؛ المعنى: بل هم أَحياء عند ربهم يرزقون، فأَعْلَمنا أَن من قُتل في سبيله حَيٌّ، فإن قال قائل: فما بالُنا نَرى جُثَّتَه غيرَ مُتَصَرِّفة؟ فإن دليلَ ذلك مثلُ ما يراه الإنسانُ في منامه وجُثَّتُه غيرُ متصرفة على قَدْرِ ما يُرى، والله جَلَّ ثناؤُه قد تَوَفَّى نفسه في نومه فقال: الله يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حينَ مَوْتِها والتي لم تَمُتْ في مَنامها، ويَنْتَبِهُ النائمُ وقد رَأَى ما اغْتَمَّ به في نومه فيُدْرِكُه الانْتِباهُ وهو في بَقِيَّةِ ذلك، فهذا دليل على أَن أَرْواحَ الشُّهداء جائز أَن تُفارقَ أَجْسامَهم وهم عند الله أَحْياء ..
((لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67).)) .. لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ: النُّسْكُ والنُّسُك: العبادة والطاعة وكل ما تُقُرب به إِلى الله تعالى، وقيل لثعلب: هل يسمى الصوم نُسُكاً؟ فقال: كل حق لله عزَّ وجل يسمى نسكا .. نسك لله تعالى يَنْسُكُ نَسْكاً ونِسْكاً ونَسُكَ، الضم عن اللحياني، وتَنَسَّك. ورجل ناسِك: عابد. وقد نسك وتنسك أَي تعبد. والنُسّكُ والنِّسِيكة: الذبيحة، وقيل: النُّسُك الدم، والنَّسِيكة: الذبيحة، تقول: من فعل كذا وكذا فعليه نسك أي دم دم يُهَرِيقُه بمكة، شرفها الله تعالى، واسم تلك الذبيحة النَّسِيكَة، والجمع نسك (بضم السين) ونسائك. والنُّسُك: ما أَمرت به الشريعةُ، والوَرَع: ما نَهَتْ عنه. والمَنْسَك والمَنْسِكُ: شِرْعة النَّسْك. وفي التنزيل: وأَرِنا مَنَاسِكَنا؛ أَي مُتَعَبَّداتِنا، وقيل: المَنْسَكُ النَّسْك نفسه. والمَنْسِكُ: الموضع الذي تذبح فيه النَّسِيكة والنَّسائك. النضر: نسك الرجل إِلى طريقة جميلة أَي داوم عليها. ويَنْسُكون البيتَ: يأْتونه. وقال الفراء: المَنْسَكُ المَنْسِكُ في كلام العرب الموضع المعتاد الذي تعتاده .. ((فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ)): ونازَعَتْنِي نفسي إِلى هَواها نِزاعاً: غالَبَتْنِي. ونَزَعْتُها أَنا: غَلَبْتُها. ويقال للإِنسان إِذا هَوِيَ شيئاً ونازَعَتْه نفسُه إِليه: هو يَنْزِعُ إِليه نِزاعاً. ونزَع الدلْوَ من البئر يَنْزِعُها نزْعاً ونزَع بها، كلاهما: جَذَبَها بغير قامة وأَخرجها ..
((وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68).)) .. وجادَله أَي خاصمه مُجادلة وجِدالاً، والاسم الجَدَل، وهو شدَّة الخصومة. وفي الحديث: ما أُوتَي الجَدَل قومٌ إِلاَّ ضَلُّوا؛ الجَدَل: مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والمراد به في الحديث الجَدَلُ على الباطل وطَلَبُ المغالبة به لا إَظهار الحق فإِن ذلك محمود لقوله عز وجل: وجادلهم بالتي هي أَحسن.
((اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69).)) .. الله سبحانه وتعالى أَحْكَمُ الحاكمِينَ، وهو الحَكِيمُ له الحُكْمُ، سبحانه وتعالى. قال الليث: الحَكَمُ الله تعالى. الأَزهري: من صفات الله الحَكَمُ والحَكِيمُ والحاكِمُ، ومعاني هذه الأَسماء متقارِبة، والله أعلم بما أَراد بها، وعلينا الإيمانُ بأَنها من أَسمائه. ابن الأَثير: في أَسماء الله تعالى الحَكَمُ والحَكِيمُ وهما بمعنى الحاكِم، وهو القاضي، فَهو فعِيلٌ بمعنى فاعَلٍ، أو هو الذي يُحْكِمُ الأَشياءَ ويتقنها، فهو فَعِيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ ..
((أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70).)) .. علم علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. العلم: إدراك الشيء بحقيقته وكنهه .. إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ: أي في أم الكتاب .. وهو اللوح المحفوظ .. لا يغيب عن علم الله شيء مهما كان وأنى كان .. سبحانه الله الواحد الذي لاش لاشريك له له خلق المكان والزمان ولا يتحدد بهما .. وخلق الخلق وأحاط بهم جميعا إحاطة قدرة ورحمة .. إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ: اليَسْرُ: اللِّينُ والانقياد يكون ذلك للإِنسان والفرس، وقد يَسَرَ ييْسِرُ. وياسَرَه: لايَنَهُ؛ وياسَرَه أَي ساهَلَه. وفي الحديث: إِن هذا الدّين يُسْرٌ؛ اليُسْرُ ضِدُّ العسر، أَراد أَنه سَهْلٌ سَمْح قليل التشديد. وفي الحديث: يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا. وفي الحديث الآخر: من أَطاع الإِمام وياسَرَ الشَّريكَ أَي ساهله. وفي الحديث: كيف تركتَ البلاد؟ فقال: تَيَسَّرَتْ أَي أَخصبت، وهو من اليُسْرِ ..
((وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) ... )). وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ: عبده عبادة: ذل وخضع وطاع له .. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا: أي حجة .. وقال الزجّاج في قوله تعالى: ولقد أَرْسَلْنا موسى بآياتِنا وسُلطانٍ مُبين، أَي وحُجَّةٍ بَيِّنةٍ. والسُّلطان إِنما سمي سُلْطاناً لأَنه حجةُ اللّهِ في أَرضه، قال: واشتاق السلطان من السَّليط، قال: