بعض النّاس إذا أزمع على التّوبة والإقلاع عن المعاصي نظر في نفسه فبدأ بأشنع تلك الذّنوب مثلاً أو أعظمها وقعاً على نفسه، وهذا خطأ، بل الواجب أن يبدأ التّائب بالإقلاع عن أهون تلك الذّنوب وأقلّها تعلّقاً بنفسه، حتّى يتوافر بهمّته على الذّنب الّذي هو ألصق بنفسه وأكثر إدماناً له.
ولأنّه إذا جرّب الانتصار على نفسه في الذّنوب الّتي لا ميل له إليها قويّ، كان ذلك دافعاً وحافزاً قويّاً له في مواجهة الذّنوب الّتي أدمنتها نفسه.
أمّا إذا بدأ بأشدّ تلك الذّنوب قرباً لنفسه فقد يخسر المعركة الأولى فيصيبه ذلك بالإحباط النّفسي، وأمّا إذا هزم بعد ترك الذّنوب الّتي لا ميل فيه إليها ثمّ لم يستطع ترك الذّنوب الأخرى فقد خرج على الأقلّ بأقلّ قدر من الخسائر، وهذا من سياسة الحرب مع الذّنوب.
فمثلاً، قد يكون المرء شارباً للخمر واقعاً في الزّنا حالقاً للِحيته مسبلاً ثوبه مدخّناً يقع في الغيبة والنّميمة.
لكنّ الزنا وحلق اللّحية والإسبال والغيبة والنّميمة أمور يفعلها دون ميل قويّ لها بل حسب ما يتّفق له فعلها فعل.
بعكس الخمر والتّدخين فإنّها أمور أدمنتها نفسه، فمن الخطأ هنا أن يبدأ بمواجهة نفسه في التّدخين مثلاً أو الخمر (1)، بل يبدأ بالإقلاع عن الزنا والغيبة والنّميمة ويعفي لحيته ويقصّر ثوبه، فإذا فعل ذلك وتمكّن منه تفرّغ للمواجهة الأصعب، مع التّدخين والخمر أكثر لأنّه أخطر وأعظم عند الله تعالى.
تماماً كرجل يواجه عدوّين أحدهما ضعيف والآخر قوي، فإنّه إن بدأ بالقويّ لربّما هُزم فيبقى له عدوّان، وإن بدأ بالضّعيف تغلّب عليه بسهولة، ثمّ إن استطاع أن يغلب القويّ تمّ له النّصر، وإن هُزم أمامه فقد تخلّص من عدوّ على الأقلّ وبقي عليه آخر.
(1) قد يستشنع البعض هذا الكلام، لكن لا بدّ منه لأنّه يعالج واقعاً فلا بدّ من شيء من التّصريح والكلام الواقعي.