فإذا وطّن العبد نفسه على التّوبة من الذّنب كلّما وقع فيه سكنت نفسه عن التّطلّع للوقوع في الخطأ.
أو على الأقل أضعفت أثر الذّنب في النّفس، فالتّوبة لا يقوم بوجهها شيء من الذّنوب والخطايا بالغاً ما بلغ، إذا صدق العبد فيها، وذاق قلبه حرقة النّدم وألم الحسرة من زلّة الذّنب.
وإذا عرف ربّك منك تكرار التّوبة وتعاهدها فلا أثر لذنبك بعد ذلك أبداً.
وإذا عرف إبليس منك كثرة التّوبة وتعاهدها قنط وأيس منك.
فأهلِك إبليس بتعاهد التّوبة في كلّ وقت وإن كثرت، فإنّ الله لا يملّ منها كما يملّ ابن آدم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(أنّ رجلاً أذنب ذنباً فقال: أي ربّ أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال: عبدي أذنب ذنباً فعلم أنّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثمّ أذنب ذنباً آخر، فقال: ربّ إنّي عملت ذنباً فاغفر لي، فقال: علم عبدي أنّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثمّ عمل ذنباً آخر فقال: ربّ إنّي عملت ذنباً آخر فاغفر لي، فقال الله تبارك وتعالى: علم عبدي أنّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ به، أشهدكم أنّي قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء) (1).
قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: (شرط بعض النّاس عدم معاودة الذّنب، وقال: متى عاد إليه تبيّنّا أنّ التّوبة كانت باطلة غير صحيحة.
والأكثرون على أنّ ذلك ليس بشرط وإنّما صحّة التّوبة موقوفة على الإقلاع عن الذّنب والنّدم عليه والعزم الجازم على ترك معاودته) (2).
وفي المستدرك أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل فقال:
(1) أخرجه البخاري في التّوحيد 7507 ومسلم في التّوبة ح2758.
(2) مدارج السّالكين 1/ 301.