قصة الإفك.
إن المتتبع لقصة الإفك يتضح أمامه صورة كاملة للحرية التامة التي كان المسلمون يتمتعون بها في الفكر والتعبير والكلام ، فكل من يقرأ تاريخ تلك الحقبة يعلم علم اليقين أن إشاعة الإفك عندما انتشرت في المدينة وأصبحت حديث الناس في مجالسهم ونواديهم ، وكانت تلك الأخبار المحزنة تصل إلى سمع رسول الله فلم يصدر منه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما يوحي بالغضب على صحابته أو أهل المدينة ، ولا شك أن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يعلم زيف التهمة الموجهة إلى أم المؤمنين ،وهي أعز أزواجه بعد السيدة خديجة الكبرى ، وابنة صاحبه في الغار ومن أقرب الصحابة إليه ، ولكنه أراد أن لا يستعمل صلاحية القائد أو يحد من صلاحية الأمة في التعبير عن الكلام، فالتاريخ لا يشير قط إلى أن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طلب من أصحابه أن يكفوا عن حديث الإفك أو أنه اعترض عليهم في القول أو صدر منه ما يشعر المسلمين بأنه غاضب عليهم لما يقال في همس أو علن في أم المؤمنين ، أو أنه أجرى تحقيقاً مع المشتبه بأمرهم في إشاعة الإفك وكان للنبي في المدينة أعداء ألدّاء تتجسد في الجالية اليهودية ومن المنافقين والمتربصين به وبكل ما يحيط به فلم يتخذ النبي وجود الأعداء بين ظهور المسلمين ذريعة ليطلب من أهل المدينة الكف عن حديث الإفك حتى يهونوا عليه ولا يثخنوا في الجراح بل بالعكس من كل هذا عالج الإفك بالصبر حتى أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم شاور علي بن أبي طالب و زيد بن حارثة وبعض الصحابة في الطريقة التي ينبغي عليه أن يعالج ذلك الأمر ولكن ليس مع الأفاكين بل مع أم المؤمنين.