لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - حريصا على ان يميز الصحابة بين ثلاثة امور: بين ما كان يفعله بالوحي ، و ما كان يُحب ان يفعله ويرغب فيه ، و ما كان يفعله اجتهادا ، فالصحابة كانوا يتعاملون مع محمد البشر ومحمد الرسول في آن واحد فيفرقون بينهما ، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يؤكد على هذا المعنى ويغرسه في أذهانهم ، لذلك كانوا يراجعونه فيما يأمرهم به ويسألونه عما إذا كان ما يفعله إنما يفعله بوحي من الله أم شيء يحبه هو (أي تميل اليه نفسه كبشر ) أم اجتهاد من عنده (أي يذهب اليه بفهمه واجتهاده كبشر) ، فإذا قال انه وحي من الله سارعوا الى تنفيذه ، واذا قال بل شيء يحبه نظروا فيه فان كان في امكانهم تنفيذه نفذوه وان لم يكن كذلك اعتذروا ولم يوبخهم الرسول ولم يلمهم احد ، وان كان شيئا من اجتهاده ناقشوه وأشاروا اليه برأيهم وربما أخذ بها وتخلى عن رأيه. وهذا يظهر بوضوح في كثير من المواقف ، كما حصل في غزوة بدر حين نزل بجيشه عند ادنى ماء من مياه بدر ، فقال الحباب بن المنذر: " يارسول الله : أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا أن نتأخر عنه، ام هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة ، فقال : فان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من الآبار ، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون . فنهض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحول الى المكان والرأي اللذين أشار بهما الحباب - رضي الله عنه - . (1)
(1) . فقه السيرة د. محمد سعيد رمضان البوطي ص 157ط 11 / دار الفكر المعاصر / بيروت لبنان ودار الفكر / دمشق-سورية نقلا عن الاصابة لابن حجر وسيرة ابن هشام.