تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكلما ارتقت نفس المرء في هذه الدنيا في معرفة قيمة العلم والمعاني كلما شاقت نفسه لتعلم أعظم العلم، وهو علم المرء بربه (إن لله مائة اسم إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة)، ومن غير هذا التشوف لا يكون التدبر أبداً، لأنه مشغول عن معاني القرآن بما هو أدنى من الأشياء والدني.

فأول درجات الانشغال بالتدبر هو تحصيل قيمة الحكمة في النفس، لا ينشغل بسواها، أو بما يعينه على تحصيلها، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَائِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾.

يبدأ الإنسان طفولته ناظراً للأشياء، باحثاً عن أسمائها، وكنهها وما هي عليه، وصلتها ببعضها، وكلما ترقى خرج من هذه الأشياء لعلم المعاني، حتى إذا اكتملت لديه أدوات النظر في المعاني سمي حكيماً، وهذا لا يكون إلا إذا قُهرت نفسه بحب المعاني والحكم، وغلبت عليه شهوة النظر إليها، بل هو يبذل النفس والمال والوقت في سبيلها، لجنيها واغتنامها.

والحكم درجات، منها ما يسهل أمور الدنيا والقيام بشأنها، من معرفة الحياة والناس، ومنها -وهو أعظم منها- طرق تحصيل رضى الله تعالى، وتحقيق العبودية، فهذا القرآن هو سبيل هذا العلم، فالمرء يذهب إليه لتحقيق سبل إرضاء الله وتجنب سخطه، فإن لم يكن لديه التشوف القوي لتحقيق هذا فإن سعيه لتدبر القرآن لا يكون على المعنى الصحيح، ولا بالطريقة اللازمة له.

حكمة القرآن حكمة علمية عملية، لا تصنع المتعة الذهنية فقط كما تصنع صور الشعر الضاربة في الخيال، بل متعة حكم القرآن في أنها تصنع الشعف الذي يدفع الإرادة المنشئة للعمل والسلوك، حتى تلك المعاني القلبية، وهي أجل المعاني تصنع حباً لله وخوفاً منه، واندفاعاً لتحقيق العبودية له.

- كرر لتفهم، وعلل لتحفظ

سلسلة مقالات (من مسالك التدبر) · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة مقالات (من مسالك التدبر)ص ٧