وهذا مقتضى فهمنا لشرعنا وفقهنا لديننا فقد كتب عمر رضي الله عنه إلى (شُريح) لما ولاه الكوفة:- " انظر ما تبين لك من كتاب الله، فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبين لك ما تبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يتبين لك فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح " (1) رحم الله عمر بن الخطاب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاروق لأن الله فرق بإسلامه بين الحق والباطل وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (وما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر) ... فقد جاء قوياً في الحق رضي الله عنه وكان إسلامه فتحاً على المسلمين وفرجاً لهم من الضيق وهو من كبار فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ... ولقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه على الاجتهاد حينما بعثه والياً إلى اليمن وهذا صريح في الحديث الذي جوده ابن كثير وقواه ابن القيم ودافع عنه في " أعلام الموقعين " والذهبي في " مختصر العلل المتناهية " وهو موجود في المساند والسنن بإسناد جيد .. فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً قال (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله).
قال الدكتور عمر عبد الرحمن " فالتشريع أولاً يكون من القرآن ثم من السنة ثم بعد ذلك يأتي الإجتهاد، وحديث معاذ بن جبل واضح وصريح في ذلك ... ثم ذكر الحديث فك الله أسره " (2)
وقبل أن نتكلم في هذه المسألة نؤكد على النقطة الأهم وهو أنه لا يصح أن يخلو عصر من مجتهد استوفى شروط الاجتهاد المطلق حتى يصان الدين ويحمى من افتراء المفترين ويُبين جوهره نقياً صافياً في كل عصرٍ وحين لأن إغلاق باب الاجتهاد هو إغلاق باب فتحه الله للعقول وفي إغلاقه تعطيل للشريعة واندراس للأحكام وهذا لا يجوز ...
والاجتهاد معناه كما أسلفنا بذل الفقيه وسعه في استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية على أن الاجتهاد لا يقوم به إلا الفقيه الذي تتوفر فيه شروط المجتهد من علمٍ باللغة العربية وعلمٍ بالقرآن ناسخه ومنسوخه، وعلمٍ بالسنة، ومعرفة مواضع الاجماع ومواضع الخلاف، ومعرفة القياس ووجوهه، ومعرفة مقاصد الأحكام، وصحة الفهم وحسن التقدير، وصحة النية وسلامة الاعتقاد. على أن أهم الشروط التي ينبغي توفرها في المجتهد شرطان هما:-
1 - معرفة الأدلة السمعية التي تنتزع منها القواعد والأحكام.
2 - معرفة وجوه دلالة اللفظة المعتد بها في لسان العرب واستعمال البلغاء.
وبمعنى آخر أن درجة الاجتهاد المقصود لا تحصل إلا لمن اتصف بوصفين ...
الأول .. فهم مقاصد الشريعة لفهم الأدلة السمعية.
الثاني .. فهم اللغة العربية ومدلولات ألفاظها وجُملها وأساليبها.
وعليه فليس وجود المجتهد بالأمر العسير، بل هو ممكن ومتوفر إذا صحَّت الهمم وخلصت النوايا وقوي العزم .. واعلموا هداكم الله أن كل أحد عندنا يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم وكل قول عندنا أو اجتهاد يوافق الكتاب والسنة قبلناه وإلّا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع.
ونحن هنا وفي الإطار سنوضح مسألة هامة ينبغي أن تكون منها أيها المجاهد على بينة ألا وهي الإفتاء. فالافتاء أخص من الاجتهاد لأن الافتاء لا يكون إلا إذا كانت واقعة وقعت ويتعرف الفقيه حكمها. والفتوى السليمة التي تكون من مجتهد، تقتضِ مع شروط الاجتهاد التي ذكرناها شروطاً أخرى وهي معرفة واقعة الاستفتاء ودراسة نفسية المستفتي والجماعة التي يعيش فيها ليعرف مدى أثر الفتوى سلباً وإيجاباً حتى لا يُتخذ دين الله هزواً ولا لعباً.
(1) 84 - ذكره ابن القيم في "أعلام الموقعين"
(2) 85 - كلمة حق ص120