(أمة وسطاً) في التصور والاعتقاد لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس الروحي المادي ..
(أمة وسطاً) في التفكير والشعور لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ولا تتبع كذلك كل ناعق وتقلد تقليد القردة إنما تستمسك بتصوراتها ومناهجها وأصولها ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها في تثبت ويقين.
(أمة وسطاً) في التنظيم والتنسيق .. لا تدع الحياة كلها للضمائر والمشاعر ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب.
(أمة وسطاً) في الارتباطات والعلاقات .. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته لحساب الجماعة أو الدولة ولا تطلقه في المقابل فرداً جشعاً لا هم له إلا ذاته.
(أمة وسطاً) في المكان في سرة الأرض وفي أوسط بقاعها وبموقعها هذا تشهد الناس جميعاً وتشهد عليهم وتعطيهم ما عندها من ثمار الروح والفكر والطبيعة.
(أمة وسطاً) في الزمان .. تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها، وتقف في الوسط تنفض عن البشرية أوهام وخرافات طفولتها وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى) (1) انتهى بتصرف.
على أنك أخا التوحيد هداك الله ورعاك يجب أن تعلم علم اليقين أن الأمة نالت الأفضلية وشهادة الله لها بأنها الأمة الوسط لأنها الشاهدة على الناس جميعاً يوم القيامة بأن الرسل قد بلغوا وأن الأقوام كذبوا .. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يُجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جائنا نذير. فيقول: من شهودك؟ فيقول محمد وأمته. فيُجاء بكم فتشهدون) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ قال:- (عدلاً) (لتكونوا شهداء ويكون الرسول عليكم شهيداً) (2).
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولن لا فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول نعم فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته فيقال لهم: بلغ هذا قومه؟ فيقولون نعم. فيقال: وما علمكم فيقولون:- جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك قوله _ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً _ قال يقول عدلاً _ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) (3).
واعلم أيها المجاهد أن عبء توضيح الدين ونشره في العالمين أمانة عظيمة ملقاة على عاتق كل مسلم لأن وظيفته ودوره تحتم عليه أن يتحمل التبعة ويبذل التضحية ولا بد أن يفتن أولاً وقبل كل شيء ولا بد أن يبتلى ليتأكد خلوصه لله وتجرده واستعداده للطاعة المطلقة والاستجابة الخالصة له سبحانه
ومن رام حقاً دخول الجنان ... وشاء العناق لحورٍ حسان
فلا بد من تبعات الطريق ... ولا بد من بذل مهرٍ ثمين
وهي مسؤولية منوطة بكل واحدٍ منا تجاه نفسه أولاً، وتجاه عامة المسلمين الذين غاب عنهم القائد والموجه بغياب المؤسسة الدينية، وأقصد المؤسسة التي تسدُّ مسد الدولة حتى حين والتي من شروطها الوصول لكل بيت وممارسة أكبر قدر من الناس للإسلام في كل جزئيات حياتهم، بمعنى أن يصبح هناك كمَّاً يعيش الإسلام وللإسلام وهذا ما يدل عليه قول ابن تيمية (الأمة هي الحافظة للشرع
(1) الظلال 1/ 131
(2) رواه البخاري
(3) رواه أحمد وصححه الألباني