تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلذلك يقول بلال بن سعد رحمه الله:' عباد الرحمن: أمَّا ما وكَّلَكُم الله به فتضيعونه، وأما ما تكفل لكم به فتطلبونه، ما هكذا بعث الله عباده الموقنين، أَذَوُوا عقول في طلب الدنيا، وبُلْهٍ عما خُلقتُم له؟! فكما ترجون رحمة الله بما تؤدونه من طاعة الله عز وجل، فكذلك أشفقوا من عذاب الله مما تنتهكون من معاصى الله عز وجلّ' [صفة الصفوة 4/ 219، الحلية 5/ 231]. ويقول الحسن البصرى:'ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه من شك لا يقين فيه من أمرنا هذا'. يعني: أننا نوقن بالموت، وبالجزاء والحساب، ولا نعمل لذلك، ولا نستعد له، نوقن بالنار، ولا نرى حَذِراً خائفا منها، وإنما نهجم على معاصى الله عز وجلّ ومساخطه. ويقول سفيان الثورى رحمه الله- مبيناً هذا المعنى: وهو أثر اليقين في قلب العبد بالتشمير في طاعة الله جلّ جلاله-:' لو أن اليقين استقر في القلب كما ينبغي؛ لطار فرحاً، وحزناً، وشوقاً إلى الجنة أو خوفاً من النار' [الحلية 7/ 17].

* الثاني عشر: من الأمور التي يثمرها اليقين في سلوك العبد: أنه يجعل صاحبه ثابتاً على الحق الذي اتبعه وعرفه: ولهذا فإن أهل الحق هم أكثر الناس ثباتاً، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله في جملة الخصائص السلوكية لأهل السنة والجماعة: وتجد أن أصحاب الرأى من المتكلمين، وأصحاب العقائد الفاسدة، والجدل الباطل؛ هم أكثر الناس تنقلاً من قول إلى قول، ومن مذهب إلى مذهب، وتجد الواحد منهم يحكم بكفر القول، أو بكفر قائله، وتجده بعد مدة يقرر هذا القول في بعض كتبه، يقول قولاً، ثم يقول نقيضه تماماً بعد مدة وجيزة أو طويلة، بخلاف حال المؤمن الثابت، الذي رزقه الله عز وجلّ اليقين؛ ولهذا لما سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قال: لا، قال: وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ.

يقول شيخ الإسلام:'وأما أهل السنة، فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح عامتهم؛ رجع قط عن قوله، أو اعتقاده، بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتُحنوا بأنواع المحن، وفُتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود، ونحوهم، وكسلف هذه الأمة من الصحابة، والتابعين، وغيرهم من الأئمة، حتى كان مالك رحمه الله يقول: لا تغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء' [مجموع الفتاوى 4/ 50].

* الثالث عشر: من الأمور التي يورثها اليقين: الثبات أمام الأعداء حتى النصر أو الشهادة: وأخبار أهل اليقين في هذه الأمة كثيرة جدًّا، وهكذا أهل اليقين الذين كانوا من قبلنا، وتعرفون جميعاً خبر الغلام مع الملك وثباته العظيم الذي ثبته، وكذلك إبراهيم صلى الله عليه وسلم، حينما ثبت أمامهم، وقد توعدوه بالإحراق، بل وأوقدوا ناراً عظيمة أمامه وطالبوه أن يرجع عن دينه، فلما أبى؛ ألقوه فيها، وهو لم يتردد إطلاقاً، ولا طرفة عين، وهكذا موسى صلى الله عليه وسلم، ثبت أمام فرعون ثباتاً عظيماً مع أنه معروف بطغيانه واستعباده للناس، وكان يقول لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [24]﴾ [سورة النازعات]. وكان موسى صلى الله عليه وسلم، يقول له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [102]﴾ [سورة الإسراء]. فلما أمره الله عز وجلّ بالانطلاق في بني إسرائيل، ولم يجد إلا البحر

سلسلة أعمال القلوب .. · الصفحة ٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة أعمال القلوب ..ص ٦٠