تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في أمر الله، والكف عن محارم الله'. وهو لا يقصد أن يزهد في صلاة النافلة، وإنما أراد أن يلفت أنظارهم إلى عبادة يغفلون كثيراً عنها وهي: التفكر.

سابعاً: أن العبادات القلبية محركة ودافعة للجوارح: إذ كلما عظم الإيمان، والتوحيد، ومحبة الله في القلب؛ كلما كان ذلك دافعاً للجوارح للعبادة .. يقول عتبة الغلام:'من عرف الله؛ أحبه، ومن أحبه؛ أطاعه'. فإذا وجد الإقبال والمحبة في قلب العبد؛ أقبلت جوارح العبد، وهان عليها التعب في الطاعة والعبادة.

ثامناً: أن العبادات القلبية تعظم عبادات الجوارح: ومعلوم أن الواحد قد يعمل عملاً من الأعمال، ويعمله آخر كما عمله هذا -من حيث الظاهر-:

· فهذا تصدق بمائة، وهذا تصدق بمائة، وبينهما كما بين السماء والأرض، فقد يتصدق الإنسان وهو يعد هذه الصدقة مغرماً، ولربما أخرجها كارهاً محرجاً، وآخر: أخرجها رغبة لكنه أخرجها وفي نفسه أنه مدل على ربه، وثالث: أخرجها وفي قلبه الحياء من الله والخوف منه, والإشفاق ألا تقبل، وأن هذا قليل من كثير مما أعطاه الله عز وجل، وأن الله هو الذي وفقه وهداه وسدده إلى هذه الصدقة والعمل الصالح، وأنه بحاجة للمزيد من العبودية ليشكر الله على هذا الإنعام أولاً وآخراً .. فبينهما من الفرق كما بين السماء والأرض!

· النية في طلب العلم: قد يطلب الإنسان العلم لدنيا، وقد يطلبه ليعرف ربه ومعبوده، ويقترب إليه، فتكون له نية صحيحة، فكم بينهما من الفرق، والمجلس واحد، هما في مجلس واحد، في مكان واحد، ومع ذلك كم من الفرق بين هذا وهذا إنما كان ذلك بسبب النية .. يقول ابن المبارك رحمه الله:'رُبَّ عمل صغير تكثره النية، ورُبَّ عمل كثير تصغره النية'.

· وهذا كما يقال في الطاعات يقال في المعاصي: قد يعمل رجلان معصية واحدة لكن هذا عملها وهو مستهتر، مستخف، متبجح، يتباهى بعملها، ويجاهر في ذلك، وكأنه ذباب جاء على وجهه فقال به هكذا .. وآخر يعمل معصية وهو خائف من الله، مُسْتَحٍ منه، يستشعر أن الله يراه ويراقبه، لكنه غلب بفترة ضعفت نفسه فيها، ثم لا يلبث أن يراجع .. فشتان بين هذا وهذا.

هذا العمل الذي عمله الأول- مع أن الثاني كان نظيراً له من حيث الظاهر إلا أن الأول- يهوي به عمله في الدركات -إن لم يتداركه الله عز وجل بلطفه ورحمته- والآخر معصيته تصغر وتتضاءل بسبب ما قام في قلبه من الخوف والحياء من الله لا يتبجح، ولا يمكن أن يطلع أحدًا على ذلك، فهو في غاية الوجل، وإذا تذكرها خاف وأشفق منها .. فكم من الفرق بين هذا وهذا!

تاسعاً: أن العبادات القلبية قد تكون في بعض الأحيان معوضة للعبد عن عبادات الجوارح: ولنأخذ مثالاً على ذلك:

· الجهاد في سبيل الله عز وجل: يأتي رجال للنبي صلى الله عليه وسلم ليحملهم فيقول: لا أجد ما أحملكم عليه فيتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، فهؤلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ] رواه مسلم وابن ماجة وأحمد.

سلسلة أعمال القلوب .. · الصفحة ٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة أعمال القلوب ..ص ٢٠