المطلب الثاني
قول التابعي في إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -
لا خلاف بين العلماء في أن التابعي الذي لم يدرك عصر الصحابة - رضي الله عنهم - لا يحتج بقوله إذا خالف إجماعهم لأنه يكون محجوجاً بذلك الإجماع. (1)
فأما إذا أدرك التابعي عصر الصحابة - رضي الله عنهم - وهو من أهل الاجتهاد اعتبر قوله في صحة انعقاد الإجماع (أي أن الإجماع لا ينعقد مع مخالفته)، وبه قال أكثر الحنفية (2) والمالكية (3) والشافعية (4). واختاره الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه. (5) وهؤلاء هم اللذين لم يشترطوا انقراض العصر في حجية الإجماع.
واستدلوا على قولهم بما يأتي:
أولاً: إن الإجماع لا ينعقد إلا باتفاق جميع المجتهدين, والتابعي واحد منهم, وربما له من العلم ما يفوق علم الكثير من الصحابة - رضي الله عنهم - , فإذا خالفهم في قول أصبح هذا القول لبعض المجتهدين, فلا يمكن انعقاد الإجماع إلا بقولهم جميعاً. (6)
ثانياً: لو كان قول التابعي باطلاً أو لا يعتد به, لما جاز رجوع الصحابة - رضي الله عنهم - إلى قوله وقد رجعوا إليه، حيث روي أن ابن عباس - رضي الله عنه - وأبا سلمة بن عبد الرحمن (7) اختلفا في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حبلى، فقال ابن عباس: تعتد بأبعد الأجلين. وقال أبو سلمة: إذا وضعت حملها حلت, فقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: أنا مع ابن أخي (8) -يعني أبا سلمة-.
(1) ينظر: أصول السرخسي: 3/ 114؛ قواطع الأدلة: 2/ 19.
(2) نقله السرخسي عن أكثرهم في أصوله: 2/ 114؛ حاشية النفحات غلى شرح الورقات: ص127.
(3) إحكام الفصول: ص397؛ مختصر المنتهى ومعه بيان المختصر: 1/ 313.
(4) ينظر: قواطع الأدلة: 2/ 19؛ الإحكام للآمدي: 1/ 204؛ البحر المحيط: 4/ 479 - 480؛ التبصرة: ص384.
(5) ينظر: المسودة: ص333؛ العدة: 2/ 225؛ الإحكام للآمدي: 1/ 204.
(6) ينظر: المحصول: 2/ 83؛ قواطع الأدلة: 2/ 20.
(7) هو أبو سلمة بن عبد الرحمن الزهري المدني، ثقة إمام كثير الحديث، كان من سادات قريش، توفي سنة 195هـ, (تذكرة الحفاظ: 1/ 276) (الأعلام: 3/ 145)
(8) صحيح البخاري: كتاب التفسير: 8/ 521؛ مسلم: 2/ 1122؛ النسائي، كتاب الطلاق: 6/ 156.