المناقشة
اعترض جمهور الفقهاء على أدلة الحنفية بقولهم: إن عمدة استدلالكم هو حديث سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه: «أخروهن من حيث أخرهن الله» (1).
والرد عليه من وجهين:
الأول: إن هذا الحديث لم يثبت رفعه, وإنما هو موقوف على ابن مسعود, كما أنه خبر واحد, والخبر الواحد لا يثبت به الفرضية, فالفرض لا يثبت إلا بالدليل القطعي.
بمعنى آخر: إن الأمر بتأخير النساء الوارد في الحديث يحمل على الاستحباب لا الفرضية, وعليه فمخالفته لا يترتب عليها بطلان الصلاة, فالأمر بالتأخير لا يقتضي الفساد مع عدمه, فالأمر بالتأخير والنهي عن التقدم لا تعلق له بصحة الصلاة وفسادها (2).
الثاني: إن الحديث الشريف يحتمل غير الصلاة, مثل الشهادات وغيرها, وأنتم –أي: الحنفية- نقدتم قولكم بعدم إثبات فروض الصلاة إلا بطريق معلوم؛ لأنكم ادعيتم فرضية تأخير النساء, وهو لم يثبت بطريق معلوم, وطالما أنه لم يثبت بطريق معلوم فالأصح استحباب تأخير النساء لا فرضيته, وعلى هذا لا يترتب على مخالفته بطلان الصلاة (3).
الراجح: من خلال المناقشة يتضح لنا رجحان الرأي الثاني؛ لقوة حجته ولرده على أهم دليل عند أصحاب الرأي الأول, وبالرغم من ترجيح الرأي الأول القائل بصحة الصلاة إن صلت المرأة أمام الرجل أو بمحاذاته, فلا ننسى أنهم قالوا: يكره لها فعل هذا, وعليه فلا ينبغي للمرأة أن تفعل هذا مخافة الافتتان بها, وانشغال المصلين بها, خاصة في وقتنا الحاضر, والله أعلم.
(1) سبق تخريجه ص.
(2) شرح فتح القدير جـ1 ص371، حاشية سعد حلبي بهامشه ص372، الحاوي الكبير جـ2 ص258، كشاف القناع جـ1 ص488.
(3) الذخيرة جـ2 ص263.