الاعتراض السادس: وهو للباجي ومن وافقه حيث قالوا: إن الخبر -الحديث- ورد مورد الزجر وحقيقته غير مرادة, وإنما المراد المبالغة, ويدل على ذلك وعيدهم بالتحريق, أي: العقوبة التي يعاقب بها الكفار, وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك.
أجيب عن هذا الاعتراض: إن منع عقوبة المسلمين بالتحريق وقع بعد نسخ التعذيب بالنار, وكان قبل ذلك جائزًا كما دل عليه حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره (1)، فلا يمتنع حمل التهديد على حقيقته, ويكون هذا التوعد بالتحريق مخصصًا للمنع, فيجوز التحريق في عقوبة تارك الصلاة (2).
الاعتراض السابع: إن هذا التهديد المذكور في الحديث الشريف لقوم تركوا الصلاة رأسًا لا مجرد صلاة الجماعة.
وأجيب عن هذا الاعتراض: بأن هذا الكلام ضعيف, فقد دلت روايات كثيرة على أنها صلاة الجماعة لا الصلاة المفروضة رأسًا, منها:
1 - رواية مسلم: «لا يشهدون الصلاة» (3) بمعنى: لا يحضرون.
2 - رواية عجلان عن أبي هريرة عن أحمد: «لا يشهدون العشاء في الجميع» (4) أي: في الجماعة.
3 - حديث أسامة بن زيد عن ابن ماجه مرفوعًا: «لينتهين رجالًا عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم» (5) فهذه الروايات صريحة في أن المقصود صلاة الجماعة.
الاعتراض الثامن: أن المراد بالتهديد: الحث على خلاف فعل المنافقين, والتحذير من التشبه بفعلهم, لا لخصوص ترك الجماعة, وعليه فلا يتم الدليل, وهذا الاعتراض قريب من اعتراض الباجي السابق.
الاعتراض التاسع: إن فريضة الجماعة كانت في أول الإسلام لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين, ثم نسخ.
ويقوى هذا الادعاء:
1 - نسخ الوعيد المذكور في الحديث, وهو التحريق بالنار.
2 - ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال.
3 - يقوي النسخ أيضًا الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ (6)؛ لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل, ومن لازم ذلك جواز صلاة الفذ (7).
إلى غير ذلك من الاعتراضات, وقد وصف الإمام الصنعاني هذه الاعتراضات بقوله: وقد أطال القائلون بالسنية الكلام في الجوابات عن هذا الحديث بما لا يشفي (8).
ثانيًا: مناقشة الدليل الثاني المتمثل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى, فقال: يا رسول الله, إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد ... ». الحديث، رواية ابن أم مكتوم: «قلت: يا رسول الله, أنا ضرير .. ». الحديث.
(1) أخرج البخاري في صحيحه/ كتاب الجهاد والسير / باب: لا يعذب بعذاب الله ما نصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعث فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فاحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا, وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما».
(2) المنتقي للباجي جـ ص، فتح الباري جـ2 ص147، شرح الزرقاني جـ1 ص 326، نيل الأوطار جـ3 ص124.
(3) صحيح مسلم/ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة/ باب: فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها.
(4) مسند أحمد.
(5) سنن ابن ماجه / كتاب: المساجد والجماعات/ باب: التغليظ في التخلف عن الجماعة.
(6) هذه أدلة من قال: إن الجماعة سنة مؤكدة وقد ذكرتها سابقًا ص.
(7) فتح الباري جـ2 ص 149، نيل الأوطار جـ3 ص124، شرح الزرقاني جـ1 ص326.
(8) سبل السلام جـ2 ص42.